الرئيسيةقلم حرالديمقراطية الثقافية

الديمقراطية الثقافية

د. محمد شبير

– الدكتور محمد شبير-

احتكر الوسط السياسي مفهوم الديمقراطية حتى أضحى من الصعب تمثله خارج هذا السياق، فنتج عن ذلك تمثل واع للديمقراطية أنها ممارسة لتنظيم العلاقة بين النخبة الحاكمة وبين عامة الشعب، وامتد ظل هذا التأويل إلى مجالات أخرى، خارج مفهوم الدولة، لتنظيم العلاقات الاجتماعية وحسن تدبير الموارد الاقتصادية، لكن التفكير في الديمقراطية من المنظور الثقافي لم يعط الأهمية الكافية، وهو الأجدر بهذا الاهتمام، لأن الثقافة تضم مناحي الحياة كلها، بما في ذلك الممارسات السياسية، واستغلال الموارد الاقتصادية، لأن ذلك لا يكون إلا في سياقات ثقافية مختلفة، ومن هنا نتساءل: أي دور للديمقراطية الثقافية في نشر قيم الإنسانية ؟ وكيف يمكن تحقيق ديمقراطية ثقافية في المجتمع المعاصر؟

هذا هو الموقف الذي أود أن أناقشه في هذا المقال، وسأضعه في سياق التعددية الثقافية، حتى أتمكن من القبض على بعض خيوط الإشكالية، ولابد، عند الحديث عن التعددية الثقافية، من استحضار خطابات الخصوصيات الثقافية، وعولمة الثقافة، والتنوع الثقافي، والثقافة العالمية..  واستحضار أشكال الاختزال القائمة على ثنائيات ضدية، كالأنا والآخر، الشرق والغرب، التقدم والتخلف.. لأن هذه الاستراتيجية ستفسح لنا المجال للحديث عن إشكالات أخرى مرتبطة بمفاهيم الشعوب الأصلية، وشعوب ما بعد الاستعمار، والقوميات، والعرقيات، والأقليات؛ وهذا موضوع يخفي الكثير من المزالق التي تحتاج الى الخلخلة. فهل يمكن الحديث عن ممارسة “الديمقراطية الثقافة” في المغرب؟

نقصد بمفهوم “الديمقراطية الثقافية” التعامل مع الثقافات المختلفة للمجتمع بمنطق المساواة، والنظر إليها بشكل من الحياد، من لدن المؤسسات الساهرة على السياسة الثقافية، والساهرة على تنظيم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلد ما. أي إن الحديث عن الديمقراطية الثقافية في المغرب، لا يرتبط فقط بوزارة الثقافة، باعتبارها الجهة الساهرة على توجيه الثقافة الوطنية نحو “السوق المفتوحة للسلع الثقافية”، بل تشاركها مؤسسات أخرى، ذات الطابع السياسي كالبرلمان والأحزاب والنقابات.. وأخرى ذات الطابع الديني، لأن التدين ممارسة ثقافية، كيفما كان شكله، وكيفما كان المعتقد والطوطم، بالإضافة إلى المؤسسات التعليمية، والإعلام وقس على ذلك..

لعل هذا الربط بين الديمقراطية الثقافية وهذه المؤسسات المختلفة، يفيد إلى عمق القضايا المتشعبة التي سنتدرج في معالجتها، فننطلق من مسلمة مفادها أن الاختلاف في بعض القضايا العامة، يدعو إلى التصويت على أطراف الاختلاف، لأن ذلك سيضمن مجالا واسعا من التفاهم، ويكتسب أحد الآراء مشروعيته من صوت الأغلبية من جهة، وطابع الإلزامية من هذه الأغلبية من جهة أخرى: إنها الممارسة الديمقراطية، لكن هل تم انتخاب منظومة القيم الثقافية في المغرب؟ أم إن الثقافة السائدة قد اكتسبت مشروعيتها من “رمزية أخرى” غير الانتخاب الثقافي؟

  ينص الدستور المغربي على “التعددية الثقافية”، ولكنها في العمق تعددية قائمة على “المركزية العربية” التي تصب فيها مجموعة من الثقافات الأخرى باعتبارها “روافد” ثقافية، أي أن “الثقافة العربية هي الثقافة الوطنية” والثقافات الأخرى ( الأمازيغية والعبرية والحسانية والإفريقية) كلها روافد تصب في نهر الثقافة المركز، ويمكن فهم هذا التقسيم باستحضار مفهوم الوطن، في الدول الأوروبية مثلا، لنجد بجانبه مفهوم الأمة، فلا يذكر أحدهما إلا وحضر الآخر، كما هو الشأن لكلمة Nation  في الفرنسية، وهذا الوطن/ الأمة، يتحدد جغرافيا وينفتح اجتماعيا ليستوعب الثقافات الأخرى التي تعزز الانتماء إلى الأمة الفرنسية أو الشعب الفرنسي، وهذا يفيد أن “التعددية الثقافية” في فرنسا “ضم لفرنسيي الجنسية، رغم اختلاف أصولهم الاجتماعية، ولكن لا يمكن أن نسقط ذلك على المغرب مثلا، وإلا فهل يمكن اعتبار فريق باريس سان جيرمان لكرة القدم عربيا، لأن الجهة الرأسمال العربي هو الذي يسيره؟

نلتفت إلى الجهة الأخرى، فنجد مقولة “السكان الأصليين” للحديث عن الهنود الحمر مثلا، وهذا التحديد

لا يجد مكانا في الهوية الثقافية المغربية، ويسايره في ذلك مفهوم الأقليات، بحيث يصعب تحديد الأصول الاجتماعية للمجتمع المغربي، بشكل واضح وعلمي دقيق، مما يعني أن الحديث عن الأقليات لا يساير الهوية الثقافية المغربية، بل لا ينطبق على هذه الهوية الثقافية، حتى مفهوم شعوب ما بعد الاستعمار، ولعل الفكرة التي تفرض نفسها في هذا السياق، هي “التعددية الثقافية”، بمعنى تنتفي فيه أشكال التمركز والتهميش اللذين يعبران عن غياب الممارسة الديمقراطية في التعامل مع الثقافة، أي غياب “الديمقراطية الثقافية” في السياسة الثقافية والقوانين المغربية. 

لا شك أن المغرب وسط إحيائي للثقافات، وهذا مورد الغنى الثقافي عندما تستثمر الثقافة بمقاسات ديمقراطية، لا تنتصر لجهة على حساب الجهات الأخرى، فلا مغرب من غير أمازيغ وعبرانيين وعرب وأوربيين وآسيويين وأفارقة.. تفاعلوا في هذا المجال، وساهمت في تكوين هذه التعددية الزيجات المختلطة، والحروب، والهجرات، والعلاقات الدولية، واللغات والفنون والتقاليد.. وفي هذه النقطة تنتفي اعتباطية الممارسات الثقافية، لأنها ليست تشكيلا للاوعي، بل إنها ممارسة واعية حتى في أشكالها التي تبدو لاواعية..

لا يمكن أن تستوعب التعددية الثقافية، وممارستها بشكل ديمقراطي بناء، إذا كان مفهوم التعددية غير واضح بما فيه الكفاية، ولذلك لا بد من تبيان الخلط الذي يشوب هذا المفهوم، بأنه تركيب بين هويات مختلفة الواحدة بجانب الأخرى، وإحداث قوانين أو مؤسسات مختلفة خاصة بهذه الثقافات، فهذه ليست إلا تعددية شكلية، تتحول فيها المؤسسة إلى “وسيلة ردعية” للتحكم الصريح أو الضمني في الاختلافات، أما الغاية فتكون تدبير هذه الاختلافات في الاتجاه الذي يخدم “المركزية الثقافية السائدة”، وليست هذه المركزية بالضرورة أيديولوجيا الدولة/ المخزن، بل قد تكون أيديولوجيا الفئة المتحكمة في هندسة “الثقافة الوطنية” بمحدداتها المختلفة.

وبالتالي، يجب إعادة التفكير في مؤسسات الدولة، لإرسائها على هذه القيم التي تضمن تعددية حقيقية، بل تعددية ديمقراطية، لأن المجتمع المغربي في حاجة إلى هذه “الديمقراطية الثقافية”، لأنها ستشيع في المجتمع ثقافة ديمقراطية، لم يجد إليها سبيلا، وسط ازدحام أشكال الفكر الإقصائية التي تشرعنها هذه المؤسسات، ويمكن القول إن الأحزاب والتعليم والنقابات وغيرها من المؤسسات، في حاجة إلى إعادة صياغة أنسجتها الأيديولوجية، لتساهم في تقدم المغرب، وبعضها يجب أن يدرك أن “أيديولوجيا الاقصاء والأحادية” لم يعد لها مكان في تاريخ المغرب المعاصر، إلا إذا كان لها تعاقد والتزامات مع التخلف يصعب التخلي عنها، وفي هذه الحالة، وجب عليها التحلي بقليل من الشجاعة لإعلان ذلك.

باحث في المسرح والفرجات وإشكاالت الهوية

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.