الرئيسيةقلم حرالهوية ولعنة الهجنة -1-

الهوية ولعنة الهجنة -1-

د. محمد شبير

د. محمد شبير

– د. محمد شبير-

يرتبط مفهوم الهوية في العادة بالخصوصيات التي تميز الفرد عن باقي الأفراد، أو بتلك التي تميز جماعات عن الجماعات الأخرى، ولهذا نشأت على هامش الخطابات الهوياتية أفكار وحركات تدافع عن هذه الخصوصيات، باعتبارها أصالة وصفاء نوعيا، وعلى هامش هذا النزوع تنشأ أفكار أخرى تستهجن الاختلاط باعتباره فقدانا للمعان النقاء المعبر، في هذا الاعتقاد، عن الهوية، ويجب أن نتساءل هنا: هل يمكن الحديث عن نقاء الهويتين الفردية والجماعية؟ ألا يبدو أن لعنة الهجنة لعنة عامة تصيب أفراد النوع البشري كله وجماعاته؟

للتفكير في هذه الإشكالية، يفترض أن نبحث في عينة باعتبارها حقلا تجريبيا، وتحديد فضاء محدد واضح المعالم باعتباره ميدان البحث، واختيار روائز باعتبارها وسائل الاشتغال على هذا الموضوع المعقد، لكن ليست هذه الطريقة، بما فيها من الدقة والصرامة المنهجية، إلا نزعة أخرى من نزعات التخصيص في خطاب الهوية، أي تأسيسا لتمركز من تمركزاتها، ولهذا فإن توسيع الفضاء ليشمل المغرب مثلا، في أنواعه الاجتماعية ومحدداته الجغرافية، وأشكال انفتاحه وانغلاقه في التاريخ، اختيار يسمح بتفكيك خطاب الهويات في ظل هوية أخرى هي الخصوصية المغربية، وهي خصوصية حاضرة في أشكال التعبير التي تحتاج تشريحا لتجسيد تلك التمثلات المعبرة عن الذهنية المغربية في أبعادها المختلفة.

تستعمل في التعبيرات الشعبية المغربية مجموعة من العبارات الدالة على الهجنة، وتتقاطع كلها في دلالة الاستهجان، وليس غريبا أن لفظ الاستهجان هو الآخر يوحي بدلالة قدحية؛ إنه تشكيك في أصالة المرء، أي تعبير عن تلوث جيني في نسبه، وفي تشريح هذا الاعتقاد نصل إلى ثقافة الانغلاق التي تفرض مجموعة من القواعد الاجتماعية للتزاوج والتكاثر، ضمن ما يحفظه المثل الشعبي “خيرنا ما يدّيه غيرنا”، لأن هذا المثل ممتلئ دلاليا بخطاب الحفاظ على الخصوصية، فترفض الزيجات التي تكون خارج العشيرة أو العائلة أو القبيلة أو اللون.. لأنها سبب مباشر لفقدان “الهوية” بمعنى الخصوصية.

نجد من تعابير الاستهجان هذه الصفات المعبرة عن أنواع اجتماعية مختلفة، الدراوي والحرطاني والموريسكي وأولاد النصارى وأولاد السعودية، والعريبات ودوومنيع .. على سبيل المثال، وكلها تعني اختلاط في الأنساب والأعراق، فالدراوي هو المولّد من لونين مختلفين، وكذلك حال الحرطاني المولّد من حرّ وآمة، والموريسكي مختلط النسب بين المغرب وإسبانيا، وأولاد النصارى أو السعودية للدلالة على اللقيط الذي خلفه الأوروبيون، بعد الاستعمار أو في إطار السياحة، وكذلك حال أبناء السعوديين..، أما العريبات ففيه تهجين من حيث التصغير في صفة العرب، وكأن العريبات ليس خلّصا، والحال نفسها في دوومنيع المركبة من الأمازيغية (داو) التي تعني أسفل ومن النوع الاجتماعي “منيع” الدال على جوية جماعية عربية الأصول في اعتقادها، وهذا المزج يفيد أنهم في مرتبة أدنى من “منيع” وهذا استهجان .. ونحن نعرض هذه القراءات، نتواطأ بشكل من الأشكال مع الدلالات القدحية التي تخفيها هذه العبارات، لكن الهدف هو تفكيك هذه الخطابات التي تعتبر الأنساب المختلطة (الهجينة) فقدانا للهوية والخصوصية.

في مقابل هذه التعبيرات الدالة على الدونية، نجد صفات أخرى، كالقول بكون هذا الشخص عربيا وهذا أمازيغيا، وهذا ريفيا، وهذا شريفا.. لأن هذه الصفات تدل على الاحتفاظ بالرأسمال الرمزي الذي تمثله (بتعبير ابن خلدون) “العصبية” المفترضة في هذه الأعماق الهوياتية، ولذلك يمكن اشتقاق بعض التلميحات اللغوية التي اعتبرها المؤرخون والكتاب والمؤولون حقائق تاريخية، للحديث عن القبائل المغربية، أو عن الأنواع الاجتماعية بتعبير دوركهايم، فقال بعضهم بوجود مجموعة بشرية تسمى ” الحراطين” وهي مشتقة من “الحرثاني” أي الحر الثاني، باعتباره ليس حرا أصيلا، وليس عبدا حقيقيا، بل إنه مولّد من آمة وحرّ، أو من عبد وحرّة، وهذا نوع من الأسطرة للوعي واللغة للحديث عن “لعنة الهدنة في النسب.

يمكن الحديث عن أشكال أخرى من الهجنة، كتلك المرتبطة باللسان، فنتحدث عن العربي والعجمي، وعن الأمازيغي والعربي وأكناو Ag’naw، أي ذلك الذي في كلامه رطانة، وهي نوع من التلوث في اللسان، وهو تلويث للملكة اللغوية ولممارستها، ونجد في مقدمة ابن خلدون ما يميز بين ثلاثة أنواع من الأنواع الاجتماعية بناء على اللسان، فميز بين العرب والبربر والعجم، ولعل لفظ بربر توصيف لساني قائم على الصوت الذي يصدر عن الأمازيغي، قبل أن يكون قائما على أي صفة أخرى، ولهذا فلا شك أن استعمال العرب للفظ “البربر” في وصفهم للأمازيغ هو استعمال قدحي قائم على “رطانة لغوية” ناتجة عن “هجنة لسانية”، وهذا الاستهجان لا ينفصل عن هذه الصفة حتى إذا تم عزلها عن الصفة الإغريقية والرومانية للغريب، وذلك حال الاستعمال الأمازيغي للفظ أكناو Ag’naw، فهو استعمال قدحي حتى لو كان غير مقصود من جهة معينة.

هكذا يمكن أن نرصد موقع الهجنة في الذهنية المغربية، باعتبارها أمرا غير مرغوب فيه، ولكنهم في ممارساتهم اليومية، حتى في القديم، يعرفون أن التهجين يحقق فوائد مهمة في الحفاظ على النشاط والحيوية، وتحسين النسل، ويضمن الاستمرارية، ليس في صفوف المتعلمين فقط، بل في صفوف الفلاحين والممارسين الثقافيين للأنشطة الثقافية في أبعاده الاجتماعية واليومية، إذ يتم تهجين الخيول والحمير والنوق والشياه والمعز، ويتم تلقيم الأشجار، وتطعيم الخمائر باقتراض خمائر الجيران.. وليست هذه الأشكال من التهجين كلها إلا جانبا آخر من الوعي بأهمية الهجنة في الحفاظ على الهوية خارج الخصوصيات..

خلاصة القول؛ إن الهجنة التي تعتبرها الذهنية المغربية ضربا من ضروب فقدان الخصوصية، أي فقدانا للهوية، ليست إلا ملمحا آخر من ملامح الهوية خارج مفاهيم التشابه التي يتوهما العقل البشري، إن الهجنة هوية الاختلاف التي تعيد رسم مفهوم الهوية خارج دائرة الماهيات الثابتة، وخارج تلك المقارنة بالآخر الطامحة في المطابقة النوعية أو اللغوية.. لربطها بالتغير والتبدل والتحول، لأنها مجال لتقاطعات ناتجة عن انفتاح الكائن البشري على محيطه، حتى في أشكال انغلاقه، إن الهجنة التي ترتسم معالم اللعنة فيها أمام الخطابات الرامية إلى الحفاظ على الخصوصية، هي نفسها اللحمة التي ترسم عليها هندسة الهوية المنفتحة والمتنوعة والمتعددة، لأنها تزيح الثبات وبالتغير، والإثبات بالنفي، والتشابه بالاختلاف.

باحث في المسرح والفرجات والهوية

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.