الرئيسيةالجامعةالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط تدقق في تأثير المنصات الرقمية على القيم في المجتمع المغربي

المدرسة العليا للأساتذة بالرباط تدقق في تأثير المنصات الرقمية على القيم في المجتمع المغربي

اعتبرت المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، في ندوة نظمتها يوم الأربعاء 1 يوليوز 2026 في الرباط، بشراكة مع وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، منصات التواصل الاجتماعي من أبرز الوسائط الحديثة لتشكيل الرأي العام وتوجيه السلوك الاجتماعي، حيث تجاوز دورها وظيفة التواصل وتبادل المعلومات لتغدو فضاء لإنتاج المعاني والقيم والتمثلات الاجتماعية. وأثار خبراء وجامعيو “ليناس” في هذه المحطة، أسئلة متعددة حول طبيعة القيم الناشئة، ومدى تأثير المنصات الرقمية في إعادة ترتيب سلم الأولويات الاجتماعية بالمغرب، وفي تشكيل الهوية الفردية والجماعية، وفي إنتاج أنماط جديدة من التفاعل والتأثير.

وفي كلمة توجيهية، ناقش مدير التنمية الاجتماعية بوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة رشيد القديدة ما يقوم به المؤثرون الرقميون والخوارزميات، ومساهمتهم بشكل مباشر أو غير مباشر في إعادة تشكيل قيم الشباب وتحديد ما يروه صحيحاً أو ناجحاً، مما يفرض تحدياً حقيقياً في كيفية جعل التحول الرقمي رافعة لترسيخ القيم الإيجابية بدلاً من إضعافها.

استعرضت كلمة السيد القديدة حزمة من الإجراءات والسياسات التي تقودها الوزارة لحماية الأسرة والقيم، ومن أبرزها السياسة العمومية المندمجة للأسرة (في أفق 2035)ـ باعتبارها إطارا وطنيا لتعزيز وظائف الأسرة في التربية والحماية والتنشئة الاجتماعية.

بالإضافة إلى برامج التربية والوساطة الأسرية، وهي آليات وقائية لتقوية الأواصر الأسرية وتأطير التنشئة، والبرنامج الوطني لمحاربة الصور النمطية، وهو برنامج نوعي سيتم إطلاقه قريباً لتعزيز ثقافة المساواة وتغيير التمثلات السلبية. وأيضا الحملة الوطنية لتعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة، وذلك لترسيخ الوعي الجماعي بأهمية الشراكة بين الرجل والمرأة في بناء الأسرة والمجتمع.

وتوقف مدير التنمية الاجتماعية بوزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة عند  دور الجامعة والبحث العلمي من خلال التشديد على أن الجامعة ليست مجرد فضاء لإنتاج المعرفة، بل شريك أساسي في صناعة الوعي وابتكار الحلول وتأهيل الأجيال القادمة للتعامل بمسؤولية وإبداع مع التحولات الرقمية. اختتم ممثل الوزارة بالدعوة إلى الخروج بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ، للانتقال من مرحلة “تشخيص” التحولات الرقمية إلى مرحلة “بناء رؤية وطنية” تضع التكنولوجيا في خدمة الإنسان وتحمي القيم المغربية الأصيلة.

الأستاذ خليد بروزي، مدير المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، في كلمته الترحيبية والتوجيهية، أكد أن إطلاق الندوة العلمية والدورة التكوينية المنظمة تحت شعار: “التواصل الاجتماعي والتحولات في منظومة القيم”، لحظة مفصلية في تاريخ العلاقة التي تربط التعليم العالي والتكنولوجيا الحديثة

ومن أبرز النقاط التي تناولتها كلمة الأستاذ بروزي الشراكة الاستراتيجية والتعاون النموذجي والمشترك مع وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، مؤكداً على أهمية تضافر جهود الجامعة والمؤسسات الوزارية لحماية النسيج القيمي والاجتماعي في المغرب.

وأكد مدير المدرسة العليا للأساتذة على التكامل بين العلم والممارسة، مشيرا إلى أن الجمع بين الندوة العلمية والجانب التكويني يعكس قناعة راسخة بأن المعرفة تكتمل عندما يلتقي الإنتاج العلمي بالتطبيق والممارسة الميدانية. كما ركز على تكوين أستاذ المستقبل،  مشددا على أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من إعداد وتكوين “أستاذ المستقبل”، لكونه حجر الأساس في بناء الإنسان وصناعة مستقبل الوطن.

وعن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، تطرق الأستاذ بروزي إلى السياق الوطني والدولي الذي يتسم بتنامي تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الوعي الجماعي وإعادة صياغة منظومة القيم، مما يفرض على الجامعة والباحثين المساهمة في بناء خطاب علمي رصين يعزز التفكير النقدي، قيم المواطنة، والمسؤولية الرقمية.

الأستاذ الجامعي ومنسق ماستر التواصل وتحليل الخطاب إسماعيل المساوي، قال إن موضوع الندوة فرضه السياق الذي يشهده العالم اليوم من تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية، التي جعلت منصات التواصل الاجتماعي فضاءات مركزية لإنتاج المعاني، وتبادل القيم، وصياغة المواقف والاتجاهات خاصة لدى فئة الشباب بعامة والمتمدرسين من التلاميذ والطلبة بخاصة.

وأضاف الأستاذ المساوي أن هذه المنصات لم تعد مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى مؤسسات غير رسمية للتنشئة الاجتماعية تنافس الأمومة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام التقليدية في التأثير على منظومة القيم والمرجعيات الثقافية وتشكيل الوعي الفردي والجماعي والرأي العام .

وذكر منسق ماستر التواصل وتحليل الخطاب أن هذه التحولات تطرح سؤالاً محورياً حول طبيعة تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في التربية على القيم بالمغرب، وهل تُسهم في ترسيخ القيم الإيجابية؟ أم أنها تؤدي إلى إضعاف المرجعيات التقليدية وإعادة تشكيل منظومة القيم؟

وتحدث المساوي على أن تأثير هذه المنصات يتسم بالازدواجية، فمن جهة، تُوفّر هذه المنصات فرصاً لتعزيز قيم المواطنة، والتضامن، والعمل التطوعي، والانفتاح على الثقافات، ونشر المعرفة، والتوعية بالقضايا المجتمعية والبيئية، كما تتيح للشباب فضاءات للتعبير الحر والمشاركة المدنية والإبداع والابتكار.

ومن جهة أخرى، قد تؤدي إلى انتشار قيم الاستهلاك، والفردانية، والسعي إلى الشهرة السريعة، والتضليل الإعلامي، وخطاب الكراهية، والعنف الرقمي والتنمر الإلكتروني، مما ينعكس على منظومة القيم داخل المجتمع.

وأوضح أن شبكات التواصل الاجتماعي ليست في ذاتها عاملاً إيجابياً أو سلبياً، وإنما يتحدد ذلك وفق طبيعة الاستخدام، وجودة المحتوى، ومستوى الوعي الرقمي لدى المستخدمين، ومن ثم، فإن التربية على القيم في المغرب، لم تعد مقتصرة على الفضاءات التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى الفضاء الرقمي، الذي يفرض بناء سياسات تربوية وإعلامية جديدة تجعل من التكنولوجيا أداة لتعزيز القيم، لا سبباً في تآكلها.

وبذلك يتحول المجتمع الرقمي إلى رافعة للتنمية الإنسانية والثقافية، من خلال تعليم مهارات التحقق من المعلومات، وتعزيز أخلاقيات التواصل الرقمي، وترسيخ قيم المسؤولية، والاحترام، والحوار، والخصوصية، والمواطنة الرقمية، لا مجرد فضاء للتفاعل والاستهلاك والامتصاص.

وذكر أن فئة الشباب تعد الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي، إذ تمثل القوة البشرية القاهرة على الإبداع والتغيير وصناعة المستقبل. وفي ظل التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم – اليوم – أصبحت التربية على القيم ضرورة ملحة لتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ مبادئ المواطنة، وتحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الخصوصية الثقافية للمجتمع المغربي.

واعتبر الاستثمار في التربية على القيم ببلادنا هو استثمار في مستقبل المغرب لأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات. ولا شك أن الشباب المغربي يمتلك طاقات كبيرة، غير أن توجيه هذه الطاقات يتطلب مشروعاً تربوياً متكاملاً يقوم على التعاون بين مختلف الفاعلين، ويوازن بين الأصالة والانفتاح، وبين الهوية الوطنية ومتطلبات العصر، مما يسهم في إعداد مواطن مسؤول، مبدع، ومتشبع بقيم المواطنة والديمقر طية والتنمية المستدامة.

ومن هذا المنطلق فإن ربط الجامعة المغربية بمحيطها الاجتماعي والثقافي والتربوي أضحى أكثر مما مضى ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات المتسرعة التي يعرفها المجتمع. وفي هذا الإطار لم تعد المدرسة العليا للأساتذة بالرباط فضاء يقتصر على إنتاج المعرفة واكتساب المهرات البيداغوجية لتكوين أساتذة المستقبل، بل أمست -الآن – فاعلاً استراتيجياً في التنمية المجتمعية، ومؤسسة منفتحة على محيطها الاجتماعي والثقافي والتربوي للمساهمة في تكوين المواطن المغربي الصالح ، وخدمة قضايا المجتمع، والإسهام في التنمية المستدامة.. وهذا يعد في جوهره من المرتكزات الأساسية لإصلاح منظومة التعليم العالي الذي نص عليها الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

واعتبر المؤسسة الجامعية المنفتحة هي المؤسسة القادرة على إنتاج معرفة ذات أثر وتأثير، وتخريج كفاءات واعية بمسؤوليتها المجتمعية، والإسهام في بناء مجتمع المعرفة والتنمية المستدامة. ومن ثم، فإن نجاح الجامعة يقاس بمدى قدرتها على التفاعل مع قضايا المجتمع، وتحويل المعرفة الأكاديمية إلى قيمة مضافة في خدمة الإنسان والوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *