الرئيسيةسلايدحزب الاستقلال واختبار المحروقات.. عندما تصبح العدالة الاقتصادية أولوية

حزب الاستقلال واختبار المحروقات.. عندما تصبح العدالة الاقتصادية أولوية

  • محمد مازن

لم يختر حزب الاستقلال الطريق الأسهل في النقاش الدائر حول أسعار المحروقات. ففي زمن ترتفع فيه المطالب بتدخل الدولة المباشر لتخفيض الأسعار، اختار الحزب أن يذهب إلى أصل الإشكال، وأن يطرح نقاشا أعمق يتعلق بطبيعة السوق، وبحدود تدخل الدولة، وبالجهة التي ينبغي أن تتحمل كلفة الأزمات الاقتصادية.

هذا الاختيار لم يكن اعتباطيا، بل يعكس فلسفة سياسية واقتصادية رافقت الحزب لعقود، تقوم على أن حماية القدرة الشرائية للمواطن لا تتحقق فقط عبر إجراءات آنية، وإنما من خلال بناء توازن دائم بين مصالح الدولة والمستثمر والمستهلك.

فحين ترتفع أسعار المحروقات، يكون أول رد فعل هو المطالبة بتخفيضها، وهو مطلب مشروع لا ينازع فيه أحد. غير أن حزب الاستقلال يرى أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بضرورة الخفض، وإنما بالطريقة التي يتم بها ذلك.

هل ينبغي أن تتدخل الدولة لتؤدي الفارق من المال العام؟ أم أن الأولى هو البحث في الأسباب التي تجعل الأسعار مرتفعة، وفي طبيعة الأرباح التي تحققها الشركات، وفي مستوى المنافسة داخل السوق؟

بالنسبة للحزب، فإن اللجوء إلى تسقيف الأسعار قد يبدو حلا مريحا من الناحية السياسية، لكنه ليس بالضرورة الحل الأكثر عدالة من الناحية الاقتصادية.

فالمال الذي ستنفقه الدولة لدعم الأسعار لن يأتي من فراغ. إنه مال عمومي، أي موارد كان من الممكن أن تذهب إلى المدرسة العمومية، أو إلى المستشفيات، أو إلى برامج الدعم الاجتماعي، أو إلى الاستثمار في البنيات التحتية.

وهنا يطرح حزب الاستقلال معادلته الخاصة: لماذا تتحمل الدولة كلفة الأسعار، إذا كانت هناك أرباح يمكن مراجعتها؟

إن الحزب لا يرى أن المشكلة تكمن فقط في تقلبات الأسواق الدولية، بل يعتقد أن جزءا مهما من النقاش يجب أن ينصب على طريقة اشتغال السوق الوطنية نفسها. فالسوق التي لا تحقق التوازن بين الربح المشروع وحماية المستهلك، تحتاج إلى إصلاح. والمنافسة التي لا تنعكس على الأسعار، تحتاج إلى مراجعة.

ولهذا يدافع حزب الاستقلال عن فكرة تسقيف الأرباح، لا باعتبارها إجراء عقابيا، وإنما باعتبارها وسيلة لإعادة التوازن إلى السوق.

فليس من الطبيعي، في نظر الحزب، أن تتحمل الدولة أعباء مالية إضافية، بينما تستمر بعض الشركات في تحقيق هوامش ربح مرتفعة. كما أنه ليس من العدل أن يؤدي المواطن الثمن مرتين؛ مرة عند استهلاك المحروقات، ومرة ثانية عندما يتم توجيه جزء من المال العام لدعم الأسعار.

إن العدالة الاقتصادية، كما يفهمها حزب الاستقلال، لا تعني توزيع الدعم فقط، وإنما تعني أيضا توزيع المسؤولية.

فالدولة مسؤولة عن تنظيم السوق وحماية التوازنات الكبرى، والشركات مسؤولة عن احترام قواعد المنافسة وعدم السعي إلى تعظيم الأرباح على حساب المصلحة العامة، أما المواطن فمن حقه أن يستفيد من أسعار منصفة دون أن يتحمل أعباء إضافية بشكل غير مباشر.

وقد ظل هذا التصور حاضرا في خطاب الحزب ومواقفه الاقتصادية منذ سنوات. فهو حزب يؤمن باقتصاد السوق، لكنه يرفض أن يكون سوقا منفلتة من كل ضابط. ويشجع الاستثمار، لكنه يرفض أن يكون ذلك على حساب العدالة الاجتماعية. ويدافع عن المبادرة الحرة، لكنه يعتبر أن الحرية الاقتصادية لا تكتمل إلا حين تقترن بالمسؤولية.

ولذلك، فإن موقف حزب الاستقلال من المحروقات لا يمكن قراءته بمعزل عن مشروعه المجتمعي ككل. إنه موقف ينطلق من رؤية تعتبر أن الدولة الاجتماعية ليست تلك التي تدعم كل شيء، وإنما تلك التي تحسن توجيه مواردها، وتفرض قواعد عادلة على السوق، وتضمن استفادة الجميع من ثمار النمو.

فالمغرب، اليوم، أمام تحديات كبرى: تعميم الحماية الاجتماعية، إصلاح التعليم، تطوير المنظومة الصحية، خلق فرص الشغل، ومواصلة الاستثمار في المشاريع الاستراتيجية. وكل هذه الأوراش تحتاج إلى موارد ضخمة وإلى اختيارات دقيقة في تدبير المال العام.

ومن هنا، يرفض حزب الاستقلال أن يتم التعامل مع ملف المحروقات بمنطق الحلول السريعة التي قد تبدو جذابة في اللحظة الراهنة، لكنها تطرح إشكالات أكبر في المستقبل.

إنه يفضل معالجة أسباب الخلل بدل الاكتفاء بتخفيف أعراضه، ويؤمن بأن الاقتصاد السليم هو الذي يقوم على المنافسة الحقيقية، وعلى الشفافية، وعلى التوزيع العادل للأعباء والمنافع.

وهكذا، لا يقدم الحزب نفسه باعتباره مدافعا عن الشركات أو معارضا لتخفيض الأسعار، بل باعتباره طرفا يسعى إلى بناء معادلة أكثر توازنا: سوق تحقق فيها الشركات أرباحا معقولة، ودولة تحافظ على إمكانياتها المالية، ومواطن يستفيد من أسعار عادلة دون أن يؤدي، مرة أخرى، فاتورة اختلالات لا يتحمل مسؤوليتها.

إنها رؤية قد تبدو أكثر تعقيدا من الشعارات الجاهزة، لكنها بالنسبة لحزب الاستقلال تمثل الطريق الأكثر أمانا نحو عدالة اقتصادية حقيقية، يكون فيها المواطن هو المستفيد الأول، لا الممول الأخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *