الرئيسيةقلم حرفصل المقال ما بين الدارجة والفصحى والأمازيغية من اتصال وانفصال

فصل المقال ما بين الدارجة والفصحى والأمازيغية من اتصال وانفصال

– عبد السلام خلفي –

 

1- من المطالبة بمأسسة اللغة الأمازيغية إلى المطالبة بمأسسة الدارجة المغربية

بعد أن كان مطلب مأسسة اللغة الأمازيغية وثقافتها مقصوراً على الحركة الثقافية الأمازيغية بالمغرب منذ ستينيات القرن الماضي، أصبح هناك، اليوم، من يطالب بمأسسة الدارجة المغربية، وجعلها لغة المدرسة والإعلام والإدارة. ولقد شكل اللقاء الذي نظمته، منذ حوالي أربعة أسابيع، مؤسسةُ زاكورة للتربية مناسبة لكي تُطرح القضية من جديد، بل وليخرج المجتمعون بتوصيات مهمة تدعو إلى اعتماد الدارجة في التعليم المغربي، وبخاصة في التعليم الأولي منه؛ وللتذكير فقط فإن هذا اللقاء ليس هو اللقاء الوحيد الذي نظمته هذه المؤسسة لمدارسة إشكالية اللغات في المغرب، إذ سبق لها في يونيو 2010 أن نظمت لقاء من نفس الحجم بكلية الطب بالدار البيضاء، حضره وزراء ورجال أعمال وأكاديميون ومثقفون وإعلاميون وسياسيون إلخ، كما شكل مناسبة للاستماع إلى الخلاصات التي قدمها المتدخلون الأكاديميون، ومنها الخلاصة التي انتهى إليها البروفيسور كلود حجاج، هذا الأكاديمي المرموق، الذي سيعلن، على رؤوس الحاضرين، في آخر محاضرته التي دامت أكثر من ساعتين ونصف: “أن مستقبل المغرب يوجد في الدارجة وليس في العربية الكلاسيكية”، وأن “على الأمازيغ أن يمعيروا لغتهم ويتجاوزوا تحيناتها المحلية لبناء نموذج لساني قادر على التمكين من التواصل والتفاهم بين المجموعات اللسانية الأمازيغية”.

هكذا، إذن، يمكن لنا أن نؤكد أن إشكالية طرح الدارجة المغربية كبديل للتخبط الذي تعيشه منظومتنا التربوية لم يُطرح بالجدية المطلوبة إلا منذ 2010، أي بعد أن تمكنت المؤسسة المشار إليها من جمع نخبٍ ذات تأثير واضح على القرار السياسي بالمغرب وجعلها شاهدة على كل التوصيات التي خرجت بها آنذاك؛ ولذلك فإننا نعتبر اللقاء الأخير والذي حضرته، مرة أخرى، نفس النخب ليس في النهاية إلا امتداداً للقاء الأول وتأكيداً للخلاصات المتوصّل إليها؛ فإذا كان ذلك اللقاء قد انتقل بإشكالية اللغة الدارجة من وضعية اللغة- الموضوع إلى اللغة – الهوية، من حيث الاهتمام الأكاديمي بها والمحاججة على أهميتها في إعادة تعريف الهوية المغربية والتأكيد على مفهوم “تمغربيت” الذي وضعته الحركة الثقافية الأمازيغية، فإن اللقاء الثاني سوف يحولُ هذا الاهتمام إلى مطالب سياسية وضعها السيد نور الدين عيوش، رئيس مؤسسة زاكورة على مكتب السيد عمر عزيمان، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للتعلِيم.

2-ما بين المدافعين عن الدارجة المغربية والمدافعين عن اللغة العربية الفصحى ضاعت الأمازيغية

في يونيو 2010، أي خلال اللقاء الأول الذي نظمته مؤسسةُ زاكورة، أُثيرَ نقاشٌ حماسي وأكاديمي حول إشكالية اللغات بالمغرب؛ وقد شكلت الخلاصة التي انتهى إليها كلود حجاج المشار إليها مبرراً للبعض (أي من الحاضرين) كي تتوقف الدولة المغربية عن الاستمرار في اعتماد نفس السياسة التربوية التي وضع أسسها الوطنيون الأوائل؛ في حين جاءت تلك الخلاصة مخيبة لآمال البعض الآخر. فقد انتفض المدافعون عن هذه الخلاصة يقدمون الحجج تلو الحجج للتأكيد على أهمية استعمال اللغة العربية الدارجة في مؤسسات الدولة، في حين اعتبرها المناوئون دعوة إلى ضرب اللغة العربية الفصيحة في الصميم وإلى إثارة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد الذي عربه الإسلام. ووسط الجلبة التي أثارتها أصوات المفصِّحين والمدرِّجين ظل صوتُ المدافعين عن الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية ضائعاً يتلمّسُ طريقه في عتمة المنابذات بين الفريقين، إلى أن ألقى د. محمد بنرابح، الأستاذ بجامعة كرونوبل بفرنسا، محاضرته عن الوضعية اللغوية بالجزائر؛ إذ أعادت هذه المحاضرة بعضاً من الحيوية إلى نقاش موضوع الأمازيغية، بالرغم من أن المحاضرة نفسها جاءت، بدورها، في سياق الدفاع عن الدارجة؛ لقد أعطت هذه المحاضرة الدليل القاطع على أن اللغة الأمازيغية، إذا لم تُتخذ الإجراءات المناسبة لتنميتها، ستنتهي لا محالة إلى الانقراض. فقد ذهب هذا الباحث إلى أنه في سنة 1830 كانت نسبة الناطقين بالأمازيغية في الجزائر، مثلاً، تتجاوز 50 في المائة، وأنه نتيجة لسياسة التعريب، منذ الفترة الاستعمارية، ولتبني الدولة لإيديولوجية القومية العربية، منذ الاستقلال، انتقلت هذه النسبة سنة 1966، أي بعد 132 سنة، إلى 18.6 في المائة، ولتصبح اليوم هذه النسبة أقل من 15 في المائة. وبطبيعة الحال فإن التحليل الذي قدمه السيد بنرابح يؤكد أن عقوداً من التعريب لم تُذب ذلك الإحساس بالانتماء إلى هوية شمال إفريقية متميزة عن الهوية العربية بالشرق، مقدماً على ذلك عدة دلائل سوسيولوجية وأنتروبولوجية ولغوية منها ذلك الحماس الشعبي الكبير الذي عادة ما تثيرُه، مثلاً، اللقاءات الكروية بين الفريق الجزائري والفريق المصري؛ إذ، في كل مرة، تتحول هذه اللقاءات إلى تجييش هوياتي تُستعملُ فيه كل الوسائل الإعلامية للتأكيد على العمق المغاربي، بما في ذلك العمق الأمازيغي، في الوقت الذي يحاول الإعلام المصري الاستنقاص منه ورفض العمق العربي للمنطقة المغاربية بل ووسمه بالانتماء “البربري”.

ماذا يعني هذا؟ يعني أن الهوية المغاربية هوية مختلفة، وأنها تستمد وجودها من التاريخ الذي وسمها ومنحها وجهاً جديداً يختلف، من جهة، عما كانت عليه (أي الهوية) قبل قرن من الزمان، ويختلف، من جهة ثانية، عن الهوية العربية في الشرق؛ إن الدوارج المغاربية التي تختلف اختلافاً كبيراً عن العاميات العربية بالشرق قد أصبحت –في نظر الباحث- هي اللغات الأكثر انتشاراً في الأوساط الشعبية بعد أن تراجعت التنويعات الأمازيغية نتيجة لفعل التعريب؛ فأصبحت (أي الدارجة)هي لغة-أم لأكثر من 90 مليون مغاربي، وبالتالي فإن الوضعية الجديدة التي تُلحق المغاربيين بـ”عروبة” مغاربية مختلفة عن “عروبة” الشرقيين تفترض إعادة النظر في إشكالية اللغات داخل المنظومة التربوية، على أساس اعتماد هذه الدوارج في التعليم، خاصة وأن تجربة أكثر من خمس عقود أبانت عن عجز كبير للغة العربية الفصيحة في تجويد المنظومة.

3-التوجه العام الذي كان سائداً أثناء النقاش

بالرغم من التدخلات المجامِلة التي أبداها البعض تجاه اللغة الأمازيغية، خلال اللقاء، بل وبالرغم من الاعتراف الصريح للبعض الآخر بكون الحركة الثقافية الأمازيغية قد أثرت في وعيهم الهوياتي، وجعلتهم ينتبهون إلى “تَمَغْرَبِيتهِم” ويعيدون النظر في الكثير من المسلمات الإيديولوجية الشرقانية التي أرضعتها لهم الحركة الوطنية، والتيارات القومية الاستئصالية، فإن التوجه العام الذي كان سائداً أثناء النقاش هو أن الوضع اللغوي المغربي وضعٌ محسوم فيه تقريباً، ويتنازعُه اتجاهان يتلخصان في:

–  إما الاستمرار في اعتماد عربية فصيحة تحيل على مرجعية حضارية عربية وإسلامية، مع الانفتاح على لغات التكنولوجيا والعلم؛

–  وإما في اعتماد عربية دارجة تحيل على مرجعية هوياتية مغربية، مع الانفتاح، مرة أخرى، على لغات التكنولوجيا والعلم.

ولأن الكثير من الحاضرين كانوا يتبنون الموقف الثاني فقد برروه استناداً إلى الحجج التالية:

أ‌.      إن اللغة العربية الفصحى قد فشلت نهائياً في أن تضرب بجذورها في التربة المغربية، وهذا يعني، بالنسبة لهم، يشكل فشلاً ذريعاً للإيديولوجية العروبية ذات المنحى القومي التي أرادت أن تؤصل للقومية العربية وتجعل من المغاربة جنساً عربياً تابعاً، دون الأخذ بعين الاعتبار لمميزات اللغات والثقافات العربية المحلية؛

ب‌.    إن على المغاربة أن يبحثوا عن الطريق الوسط بتخليهم عن أيديولوجية الانتماء إلى القومية العربية وعن فكرة الانتماء إلى المزوغة، ويومنوا بانتمائهم إلى “تمغربيت” التي تعبر عن هذه الوسطية، والتي تشكلت، في نظرهم، من طبقات هوياتية متنوعة، يتداخل فيها الأمازيغي بالفينيقي بالروماني بالوندالي بالإغريقي بالعربي باليهودي بالمسيحي بالإسلامي إلخ، والتي تشكل فيها الدارجة المغربية زبدتها النهائية ومستقبلها الزاهر؛

ت‌.    إن الكثير من المآزق الهوياتية والثقافية والفكرية والتربوية والتواصلية بالمغرب والمغارب تعود، بالدرجة الأولى، إلى اللغة العربية الفصيحة التي اعتُبرت لغة الشعب المغربي في حين أنها لم تكن أبداً لغة أماً للمغاربة، ولا لغة لجماعة ما استقرت بالمغرب، اسمها جماعة اللغة العربية الفصيحة (لقد ظلت هذه اللغة تاريخياً لغة النخب ولغة الفقهاء، ولها أن تبقى كذلك)؛

ث‌.    إن اللغة الأمازيغية ستنتهي إلى الاندثار نتيجة لتآكل نسبة الناطقين بها، ولظهور علامات توقف نقلها من طرف الآباء إلى الأبناء والأحفاد، ونتيجة أيضاً لعدم معيرتها وعدم لعبها دور اللغة الناقلة أو الوسيطة القادرة على ضمان تواصل عبر- وطني تماماً كما تفعل الدارجة المغربية التي أصبحت حسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2004 لغة أكثر من 89 في المائة من السكان البالغين 5 سنوات فأكثر.

4- خلاصة نقاش ملتقى زاكورة بالدار البيضاء سنة 2010

لقد كانت الخلاصة النهائية للملتقى هي أن اللغة الدارجة ستنتهي، بحكم الواقع، إلى أن تتحول إلى اللغة المغربية بامتياز؛ فهي منتوج مغربي بالأساس، ونتاج لتفاعل لساني عربي أمازيغي فينيقي لاتيني إلخ؛ وهي اللغة الوحيدة التي تزايد عدد الناطقين بها بشكل مثير منذ الاستقلال إلى اليوم؛ وهي اللغة الوحيدة التي تلعب دور لغة التواصل على الصعيد الوطني.

فإذا كانت الأمازيغية، بلهجاتها الثلاث، قد انحدر عدد الناطقين بها من أكثر من 80 في المائة، أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلى 28 في المائة، حسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2004؛ ولم تتجاوز العربية الفصيحة، إلى جانب اللغة الفرنسية 30.3 في المائة من القراء والكاتبين بهما، فإن الدارجة المغربية أصبحت هي اللغة الأولى من حيث الناطقين بها؛ وحسب، بعض المتدخلين، فإن هذه الأعداد تتجاوز اليوم 90 في المائة. وهو ما يعني، في العمق، أنها اللغة-الأم واللغة الوطنية الحقيقية للمغاربة، بله وهي لغة التواصل الوطني، من حيث استعمالها المكثف في الإعلام السمعي البصري (ومؤخراً المكتوب) وكذلك في الإدارة والإشهار واللافتات والملصقات وأحياناً في المدارس. إن هذه اللغة، حسب الحاضرين، لا ينقصها سوى المعيرة الخطية ومنحها وضعاً مؤسساتياً، ولم لا دستوريا ورسمياً، قاراً لكي تحتل مكانتها التي تستحقها، ولكي تتحول، بالفعل، إلى لغة العصرنة والتحديث في مقابل لغة المحافظة التي تعبر عنها اللغة العربية الكلاسيكية.

هكذا، إذن، سينتهي النقاش إلى التأكيد على خيار جديد في مسار التعريب؛ وهو خيار لا يستند، هذه المرة، على اللغة العربية الكلاسيكية التي تُحيل على مرجعية الدين والانتماء المشترك إلى أمة عربية تمتد من المحيط إلى الخليج؛ ولكن يستند أساساً إلى اللغة الدارجة التي تحيل على مرجعية مغربية تمتزجُ فيها كل المرجعيات التاريخية منذ العصور الوثنية إلى العصر الحديث.

5- نقاشٌ قديم جديد: هوية أمازيغية أم هوية عربية أم هوية “تمغربيتية”؟

إذا كنا نعتبرُ الخلاصة التي انتهت إليها أكثرُ المداخلات دفاعاً عن الدارجة المغربية قد فتحت الأبواب أمام إمكانيات جديدة للتفكير في المصير اللغوي والثقافي بالمغرب، وحددت، خلال ذلك، بعض البارامترات التي يجب أن تُقاس بها هوية المغاربة، فإن الأكيد أن وراء النقاش والخلاصات مواقف أخرى تعج بها الساحة المغربية والمغاربية وتفتح بدورها أبواباً أخرى للتفكير في إشكاليات اللغات والهوية من منطلقات فكرية وإيديولوجية مختلفة؛ وسنحاول هنا قبل العودة لمناقشة الخلاصات التي تم الانتهاء إليها في اللقاء المذكور أن أتوقف ابتداءً عند بعض المواقف التي تعج بها هذه الساحة المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم لفهم الرهانات والأهداف والمسارات المعتمدة في هذا الموضوع الحساس؛ وسأعرض لذلك لثلاث اتجاهات أجملها فيما يلي:

أ-الاتجاه التكنو-وطني الليبيرالي:

وهو اتجاهٌ يمكن اعتبارُه امتداداً للاتجاه الفرنكفوني الذي كان سائداً في أوساط النخب الوطنية والذي اعتبر، منذ بداية الاستقلال، أن العربية الفصيحة لا يمكن أن تكون أداة للتحديث؛ ولذلك عمل من داخل دواليب الدولة على فرض اللغة الفرنسية وفتح إمكانيات “إنقاذ” أبنائها من التعريب بإدخالها في مؤسسات البعثات الأجنبية. ونظراً إلى التراجع الذي أصبحت تعرفه اللغة الفرنسية في العالم مع ما وازاهُ ذلك من انتشار للمطالب اللغوية والهوياتية وطنياً وعالمياً ومع ما أصبحت تشهده الساحة الإسلامية من بروز لقوى التشدد الديني وانتشارِ للإسلام المسيّس، فإن هذه النخب انتبهت إلى أن استمرارها على نفس النهج المدافع عن الفرنسية دون أخذ بعين الاعتبار للمعطيات السياسية والإيديولوجية الجديدة (المطالب الهوياتية الأمازيغية / انتشار الإسلام السياسي الذي تبنى مواقف القوميين العرب وأخذ يصرفها دينياً)، بل ودون البحث عمّا يمنحُها مرتكزاً وطنياً لتبرير اختياراتها، سيجعلها معزولة عن واقعها الثقافي والحضاري وغير مؤثرة أيديولوجياً؛ بل وقد يؤدي ذلك إلى المس بمصالحها.

إن هذا الاتجاه الذي ظل لأكثر من خمسة عقود يبشر بالتقنية عن طريق استعمال اللغات العالمية وعدم الالتفات إلى اللغات الشعبية التي كانت ترادفُ بالنسبة له لغات الفلكلرة والتخلف قد أصبح اليوم من أكثر المدافعين عن الدارجة المغربية. ولذلك فهو يرى ضرورة تراجع الدولة المغربية عن السياسة التربوية التي اعتمدتها منذ الاستقلال، واعتماد هذه اللغة الشعبية الواسعة الانتشار في تجويد تعليمنا الوطني. والحقيقة أن إلقاء نظرة عابرة على أولئك الذين يدافعون عن هذا الطرح سنجد أن أغلبهُم يتمتعون بتكوين جيد في اللغات الأجنبية، وبضعف ظاهر في اللغة العربية الفصيحة؛ إذ أن أغلبهم سبق له أن درس في مدارس النخب أو واصل دراساته العليا في الخارج، كما أن جزءاً كبيراً منهم ينحدر سلالياً من أبناء الحركة الوطنية الذين وإن كانوا قد أشرفوا على تعريب المغرب، إلا أنهم قدموا لأبنائهم تعليماً مفرنساً و/ أو أنكلوساكسونياً، وهيأوهم لما بعد العربية الفصحى.

إن هذه النخب التي يتشكل منها الاتجاهُ التكنو-وطني الليبرالي، والتي بدأت عملية “التّدريج”، منذ أكثر من عقد، بإطلاقها لإذاعات جهوية ووطنية، وعملت على أن تُدرِّج كل الأفلام المكسيكية والتركية، وأغرقت فضاءاتنا العمومية بملصقات وإعلانات وإشهارات بالدارجة المغربية، قد ظلت تعيش منذ الاستقلال على وهْم أنها تنتمي حضارياً إلى عروبة سلالية؛ لكنها كانت، للأسف، تعيش مفارقة عجيبة على المستوى النفسي، إذ بقدر ما كان أفرادُها يحسون بانتمائهم الإيديولوجي إلى عروبة رسَّخها فيهم الآباءُ الوطنيون، بقدر ما ظلوا لعقود يعيشون عقدة ضحالة معرفتهم باللغة العربية الفصيحة التي هي رمز هذا الانتماء العروبي. فلقد تربوا أساساً على اللغة الفرنسية التي قرر آباؤهم (الذين عربوا البلاد) تدريسَها لهم؛ لكن مع انتشار الثقافة الحقوقية العالمية، وتأثرهم بأدبيات الحركة الأمازيغية التي يُعتبرُ أقطابها من جهابذة اللغة العربية الفصيحة أيضاً ( محمد شفيق، إبراهيم أخياط، مرزوق الورياشي، محمد الشامي، أحمد عصيد، حسن أوريد، إيد بلقاسم، أحمد الدغرني إلخ)، قد جعلهم يعيدون النظر في الكثير من المسلمات التي فرضها عليهم آباؤهم، والتي منها اعتبار المغرب بلداً عربياً قحّاً يتماهى تماماً مع عروبة الشرق أو مع عروبة اللغة العربية الفصحى. ولقد عبر الصحفي رضى بنشمسي عن هذه الفكرة، خلال ملتقى زاكورة لسنة 2010، عندما اعتبر قراءته للبيان الذي أصدرته الحركة الأمازيغية سنة 2000، والذي أثار نقاشاً عميقاً في الأوساط الثقافية والفكرية والسياسية المغربية آنذاك، المنطلق- المفصل الذي جعله يعي ذاته المغربية، ويعي حقيقة انتمائه الهوياتي. فقبل قراءته للبيان، يقول الصحفي، كان يعتبر نفسه عربياً دون أن يمتلك لغة العروبة إلى درجة أنه لم يفهم أبداً حتى معاني شعار النشيد الوطني؛ ولكن بعد قراءته لهذا البيان، سوف يعي أنه بقدر ما له امتدادات هوياتية في العروبة، فإن له امتدادات هوياتية أخرى في المزوغة والأفريقانية، والإغريقية والرومانية والفرنسية و.. وبشكل ما فإن السيد رضى بنشمسي اقتنع أنه ينتمي إلى كل الثقافات واللغات والهويات التي مرت من هنا؛ ولذلك فإنه اعتبر أن تبني الدارجة المغربية التي هي الخلاصة لكل هذه الهويات التاريخية يُعتبر أساسياً في التأكيد على مفهوم “تمغربيت” التي تتجاوز مفهوم “العروبة” كما كان يُطرحُ عند أقطاب الحركة الوطنية، وتتجاوز أيضاً مفهوم “المزوغة” كما يُطرَحُ عند الحركة الأمازيغية.

إن الحجج التي جعلت هذا الاتجاه يقتنع بأهمية مأسسة الدارجة المغربية تتلخص فيما يلي:

  1. إن اللغة الدارجة هي اللغة المعبرة عن العمق الهوياتي المغربي، سواء على مستوى الهوية الفردية للأشخاص أو على مستوى الهوية الوطنية للأمة؛ فهي نسيج لتفاعل حضاري عريق بين جميع مكونات الأمة المغربية من أمازيغية وعربية وإفريقية وأندلسية وفرنسية إلخ. وهي التعبير عن مفهوم المواطنة الحقيقية الذي تكشف عنه مفردة “تمغربيت”؛ وتشكل اللغة المالطية، في هذا الصدد، نموذجاً للاحتذاء؛ فهذه اللغة التي ليست، في النهاية، سوى لهجة عربية انتقلت من تونس إلى مالطا، قد تحولت، بسرعة كبيرة، إلى لغة العلم والاقتصاد والثقافة نتيجة لمأسستها، ولاعتمادها لغة الهوية؛
  2. إن العربية الدارجة هي اللغة الأم لغالبية المغاربة، وهي لغة التواصل اليومي الحقيقية على الصعيد الوطني، وعلى الصعيد المغاربي؛ ولذلك يمكن اعتبارها لغة المستقبل، ولغة التحديث ولغة التنمية؛ فلكونها لغة الشعب، وعنها أو بها يصدر عن تمثلاته وأحلامه وأحاسيسه، فإنه لا يمكن أن يحقق انطلاقته التحديثية إلا باستعماله لها في جميع مرافق الحياة؛ إذ أن التنمية والتحديث، في نظر هؤلاء، هما من جنس الثقافة واللسان اللذين ينتمي إليهما الشعب؛
  3. إن الدارجة المغربية هي لغة الأمن اللساني بالنسبة للأطفال المتمدرسين؛ فهي التي ستمكنهم من ربط السياق العائلي والمحيط الاجتماعي بالسياق المدرسي، وهي التي ستضمن الطمأنينة والسعادة النفسية، وتمكنهم من تمثل المعارف والمهارات بشكل أسرع، مما سيشكل صمام أمان لإنقاذ المنظومة التربوية المغربية من الفشل والهدر المدرسيين، كما أنها ستساعدهم على تعلم اللغات الأجنبية بسرعة أكبر (نظرية التعليم في اللغة الأم وعلاقتها بتسريع تعلم اللغات الأجنبية)؛
  4. إن العربية الدارجة هي اللغة الوظيفية في مجال محو الأمية؛ فهي اللغة الوحيدة القادرة على إنقاص، بل والقضاء نهائياً، على الأمية المتفشية في الأوساط الشعبية؛ إذ الهدف من محو الأمية ليس هو تعليم لغة جديدة، قد تكون اللغة الفصحى أو غيرها، بل إن الهدف هو القضاء على الأمية الوظيفية من خلال البحث عن السبل الكفيلة للرقي بمستويات عيش السكان، ومن خلال منحهم المهارات العملية الملائمة لتطوير كفاياتهم سواء في الميادين التي يشتغلون بها، أو في المجالات المتعلقة بحقوقهم وواجباتهم؛ وذلك كله لا يتحقق إلا باستعمال اللغة الأم، أي باستعمال اللغة  المتقنة من طرف كل المواطنين أو أغلبيتهم؛
  5. إن الدارجة المغربية هي لغة المردودية الاقتصادية، إذ أن اعتمادها، وهي اللغة الأكثر انتشاراً، سيمكن الدولة من ربح الملايير التي تصرفها على لغات غير مفهومة وصعبة التعلم وقليلة المردودية على المستوى المعرفي والإعلامي؛ فلأن غالبية المغاربة لا يتقنون غيرها، فإن التعلم بها سيجوِّد التعلمات المدرسية، وينقص من هدر الوقت الذي يقضيه المتعلم في تعلم الفصيحة، ومن الأعداد الكبيرة التي يلقى بها إلى الشارع نتيجة للفشل المدرسي، وبالتالي سيُنقص من هدر الأموال التي تُصرف في هذا المجال بدون طائل؛
  6. إن الدارجة المغربية هي لغة العدالة، إذ باستعمالها حصراً، وهي اللغة التي يتقنها المتحاكمون، في المحاكم المغربية سيحقق منسوباً عالياً من العدالة؛ فهي لغة شفافة يفهمها المتحاكم، وله القدرة على توظيفها إما من خلال فهم مجريات ما يدور داخل المحكمة، أو من خلال استعمالها في الدفاع عن نفسه؛ وفي حالة استعمال لغة غير مفهومة بشكل جزئي أو كلي، فمعنى ذلك مأسسة الظلم، وعرقلة قضاء أغراض الناس القضائية والإدارية، وتشجيع البيروقراطية مع ما يتمخض عن ذلك من تفش للرشوة والفساد؛

إن الدارجة المغربية هي لغة الاعتدال والتسامح المقطوعة الصلة بالمفاهيم الدينية المتصلبة التي تأتينا من الشرق؛ وهي بمعنى آخر اللغة اللائكية التي تحيل مباشرة على وعي جمعي كائن متفاعل حي ومتطور، وليس على وعي جمعي جامد أنتجته ثقافات أخرى تتسم، في العمق، بالانغراس في البداوة والنزوع إلى محاربة العالم باسم الدين أو باسم الخصوصية ضداً على العصر؛ كما أنها أيضاً لغة المغاربة التي ستجعل منهم أنداداً للمشارقة وليسوا أتباعاً لهم.

والملاحظة الأولى التي يُمكن الوقوف عندها هنا هي أن هؤلاء المدافعين عن اللغة الدارجة نجدهم أنهم بقدر ما يستلهمون نفس الحجج والبراهين التي اعتمدتها الحركة الثقافية الأمازيغية منذ عقود دفاعاً عن اللغة الأمازيغية، بقدر ما نجدهم يضربون صفحاً عن اللغة الأم الأخرى التي هي الأمازيغية، فلا يخصصون لها نفس الحجم من الحجج للدفاع عنها باعتبارها لغة أعرق من الدارجة نفسها؛ فهم نظروا إليها كما لو أنها مادة خاماً التهمتها الدارجة المغربية وأصبحت جزءاً منها، تماماً كما التهمت القيم الحضارية للفنيقيين والرومان والوندال إلخ؛ ويشي هذا بأن الاتجاه التكنو- وطني اللبيرالي الذي ظل يتبنى دائماً التقنية كخيار استراتيجي وعروبة الأجداد الوطنيين كفضاء للانتماء الهوياتي (السلالي) لم يتخلص بعدُ من اختياراته الإيديولوجية الأولى؛ ففي كلا الحالتين لا يريدُ الانفصال رمزياً عن عروبة هؤلاء الآباء، فهو يعلن، في كل مرة، انتماءه العربي (نحن عرب)، لكنه بالمقابل يحاولُ فقط تشذيب هذه العروبة عن طريق التأصيل لها وطنياً بتبني مفهوم “تمغربيت” الذي يُحيل على لغة دارجة عربية وهوية مغربية تعترف بكل مكوناتها داخل هذه الدارجة نفسها. ولقد عبر الصحفي المختار الغزيوي عن هذه الأطروحة، وهو يعلق على اللقاء الأخير لمؤسسة زاكورة، عندما تساءل وهو يناقش إشكالية اللغات بالمغرب قائلاً: “ألا يمكنها (أي اللغة الأمازيغية) أن تدخل رفقة هاته التمظهرات العديدة لدارجة المغرب ضمن اللغة المغربية؟”؛ فهذه الأخيرة يقول الكاتب، هي “وحدها القادرة على استحقاق اسم: اللغة المغربية”  .

ماذا يعني هذا؟ إن هذا يعني ببساطة أن الاتجاه التكنو-وطني الليبيرالي يرفض في العمق الأمازيغية كواقعة لسانية حية، لكنه يقبلها كواقعة ثقافية هضمتها الهوية المغربية التي تجد أجلى تجلياتها في الدارجة المغربية؛ وأما بالنسبة للغة العربية الفصيحة فإن نفس هذا الاتجاه يُحاول أن يُقدم حججاً أخرى للتخلي عن استعمالها في مؤسسات التربية والتعليم؛ ويمكن إجمال هذه الحجج بالإضافة إلى ما أوردناه سابقاً فيما يلي:

  1. إن كل الشعوب العريقة مثل الشعب الصيني والشعب التركي وشعوب الغرب الأوروبي من فرنسيين وإنجليز وألمان ويونانيين إلخ. قد تخلّوا عن لغاتهم الكلاسيكية المقدسة التي كانت تُحيل على المرجعيات الدينية لصالح لغات الشعب الأكثر انتشاراً والتي تحولت في فترة وجيزة إلى لغات العلم والتكنولوجيا والفكر والحداثة؛ وهذا يقدم، في نظرهم، دليلاً تجريبياً وتاريخياً كافياً لكي يتخلى “العرب” بدورهم عن لغتهم الدينية الميتة لصالح لغاتهم الدنيوية الحية؛
  2. إن اللغة العربية الفصيحة، رغم المجهودات التي بُذلت لزحزحتها عن لغة الدين، فإنها لم تكن يوماً باللغة-الأم للمغاربة. فهي لغة لا تبنين وعيهم ولاشعورهم الفردي والجماعي؛ إنها، على العكس، تحيل على وعي بدوي عنيف أنتجته الجزيرة العربية منذ أربعة عشر قرناً، مما يجعل منها لغة في وضعية اللغة الأجنبية، تماماً مثلما كان عليه الأمر بالنسبة للغة اللاتينية في علاقتها بالشعوب الأوروبية؛
  3. إن اللغة العربية الفصيحة، رغم قداستها، هي لغة السلطة والاستبداد، ولغة النخب الدينية المتنفذة والمنغلقة؛ وهي لغة التراتبية الاجتماعية والسياسية من حيث كونها تعيد إنتاج ثنائية الخاصة والعامة التقليديين؛ تلك الثنائية التي تم تجاوزها في العالم الحديث بتبني لغات الشعوب؛ ويتمخض عن هذا أن هذه اللغة تضفي المشروعية على التقسيم الظالم بين لغة الشعب ولغة الحاكم، مع ما ينتج عن ذلك من الشرعنة للاستغلال والتمييز بين الطبقات وإعادة إنتاج الدائرة المغلقة للنخب؛
  4. إن اللغة العربية الفصيحة هي لغة العجز العلمي وغياب التواصل؛ فبسببها راكم العرب هزالاً معرفياً فظيعاً؛ وبسببها أنتجت مؤسساتنا التعليمية والعلمية أشباه مثقفين يكرسون للفكر الخرافي، وللعنف الجهادي؛ كما أنه بسببها تم تدمير كل القيم الحضارية المحلية المتسمة بالتسامح والانفتاح، وعوضتها بقيم البداوة التي أنتجتها القبيلة العربية منذ أكثر من 14 عشر قرناً، وهي القيم التي ترفض الانخراط في الحداثة المعاصرة وتدعو إلى الحرب ضد العالم؛
  5. إن اللغة العربية الفصيحة لغة لا وطنية، لكونها تتجاوز الوطن وتمحو مفهوم الدولة الوطنية؛ فهي لا تقدم نفسها، رغم ترسيمها في الدستور، بوصفها لغة دولة، لها حدود ترابية محددة، ولكن تقدمها بوصفها لغة أممية حدودها الإسلام، أو العروبة؛ وقد تمخض عن هذا أن أصبحت هذه اللغة انعكاساً شاحباً لوطنية لا وطن لها ولعروبة يتم إنتاجها في الشرق أو لإسلام عابر للدول ورافض للحدود الوطنية؛
  6. إن اللغة العربية الفصيحة هي لغة الهدر المالي بامتياز؛ فلكونها لغة لجماعة غير موجودة، فإن الدولة إذ تصرف الأموال الطائلة من أجل نشرها إعلامياً وتعليمها وتطويرها، نراها تضيع ميزانيات معتبرة من أموال الشعب، وتهدر وقتاً ثميناً في تعلم لغة لن تُستعمل لا في الحياة اليومية، ولا في مجال الاقتصاد ولا في المجال العلمي، بل وحتى في المجال السياسي؛ فالدولة المغربية بنهجها هذه السياسة تكون قد رمت بالملايير منذ سنة 1956 في البحر، وتكون قد عطلت التنمية لأكثر من خمس عقود؛
  7. إن اللغة العربية الفصيحة هي لغة مأسسة الأمية؛ فلكونها لغة لا يتقنها عامة الشعب، فإنها سريعاً ما تتحول إلى عبء على متعلميها؛ وهذا ليس فقط لأن الذي تمكن من الإلمام بها بعد عمر طويل، لا يجد فضاء ملائماً لاستعمالها، ولكن أيضاً لأن هذه اللغة، رغم كل الميزانيات التي صُرفت، في هذا المجال، منذ الاستقلال إلى اليوم، لم تتمكن أبداً من اقتلاع هذه الآفة؛ فحسب الإحصائيات الرسمية نفسها، فإن أكثر من 43 في المائة من المغاربة ما زالوا لا يكتبون بأي لغة، وأن 30.3 في المائة فقط هم من يكتب ويقرأ بها إلى جانب الفرنسية، مع الإشارة إلى أن استعمالها الوظيفي ضعيف جداً في كل المجالات الاستراتيجية؛
  8. إن اللغة العربية الفصيحة هي لغة مأسسة الظلم؛ إذ نظراً إلى انعدام الكفاية اللسانية بها لدى عامة الشعب، فإن المتحاكمين، عادة، ما يجدون أنفسهم في أوضاع أقل ما يمكن أن يُقال عنها أنها غير ملائمة؛ فهم لا يفهمون اللغة الرسمية للقاضي، كما أنهم لا يفهمون المصطلحات القانونية المستعملة، مما يجعلهم في وضعية غير القادرين على الفهم فأحرى الدفاع عن أنفسهم؛ وإذا أضفنا إلى هذا مواقف الاستهزاء التي يكونون عرضة لها من طرف هذا المسؤول أو ذاك لكونهم لا يتقنون اللغة الرسمية، فإن الظلم يصبح مضاعفاً؛
  9. إن اللغة العربية الفصيحة لم تكن لغة المال والأعمال؛ وهذا ليس فقط لكونها تفتقر إلى السجلات اللسانية المتخصصة التي تمكنها من التعبير في هذا المجال، ولكن أيضاً لأن الأشقاء من رجال الأعمال العرب أنفسهم في الشرق العربي، والذين من المفروض أن يستعملوا لغتهم الفصيحة، يفضلون عليها اللغة الإنجليزية أو دوارجهم المحلية. وهذا يعني، ضمنياً، أن هذه اللغة لا تحقق التواصل حتى بين نخب ما يُسمى بالأمة “العربية”، فأحرى أن تحققه على المستوى الشعوب أو بين هذه النخب والنخب الغربية؛
  10. إن استعمال اللغة العربية الفصيحة في منظمة الأمم المتحدة، كما يتفاخر بذلك بعض القوميين، بوصفها لغة رسمية إلى جانب خمس لغات أخرى لا ينفي كون هذه اللغة تعيش عالة على اللغة الإنجليزية؛ وأما في حالات استعمالها، فإن ذلك يؤدي دائماً إلى خسارات دبلوماسية كبيرة نتيجة لارتفاع تكلفة ضياع المعلومات بسبب المشاكل المرتبطة بعملية التواصل نفسها؛ ففي سياقات اللقاءات العملية التي يحضرها السياسيون العرب وخبراؤهم إلى جانب سياسيين وخبراء ينتمون إلى دول مختلفة ذات لغات متعددة، عادة ما يكون المستعملون للغة الإنجليزية في وضعية مريحة، لكونهم، من جهة، يستعملون لغة يفهمها الكل، ولقدرتهم أثناء النقاش، من جهة ثانية، على فرض آرائهم؛ وأما في الحالات التي تُستعمل فيها اللغة العربية فإن الحاضرين يكونون مضطرين للفهم إما عن طريق الترجمة الفورية التي لا تعبر بالضبط عن الأفكار الحقيقية لأصحابها، أو عن طريق مطالبة الخبراء غير الأنكلوفونيين لكي يشرحوا لهم؛ كما أن المترجمين يكونون مضطرين، نتيجة لضيق الوقت، إلى تقديم خلاصات مبتسرة لكل الوثائق، مما يؤدي، مرة أخرى، بالإخلال بالمضامين الأصلية؛ وفي كل الحالات فإن هذا، عادة، ما يؤدي إلى ضياع المعلومات والتدقيقات المرتبطة بها، مما ينعكس على جودة المرافعات الدبلوماسية العربية دفاعاً عن قضاياهم الوطنية والإقليمية والدولية؛
  11. إن تكاثر مستعملي اللغة العربية الفصيحة في الشبكة العنكبوتية، كما يقول المدافعون عن هذه العربية، لا ينفي أيضاً ضعف هذا الاستعمال وضحالته من حيث المضامين المبثوثة؛ فلا مقارنة، مثلاً، بين ما يتم بثه باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية إلخ. وما يتم بثه باللغة العربية؛ إذ هناك دائماً ضعف كبير في المضامين العلمية والأكاديمية والإعلامية عند استعمالها.

وعلى كل حال، فإن هذا الاتجاه التكنو-وطني الليبيرالي إذ يُعدد هذه النقائص بالنسبة للغة العربية الفصيحة، نراه يقدم نموذجاً تربوياً مؤسساً على مرتكزين؛ فهو، من جهة، يستعيدُ، رمزياً، المرتكز الهوياتي العروبي الذي بثه الآباءُ الوطنيون الأوائل في المدرسة المغربية؛ ولكنه، من جهة ثانية، يريدُ أن يواصلَ نفس السياسة القائمة على اعتماد اللغات الأجنبية ذات الحظوة العالمية من أجل التأكيد على البعد التقني لانفتاح هذه الهوية. وبصيغة أخرى فإن هذا الاتجاه يريد أن يجعل من دارجة المغرب العربية والتي هي نتاج مغربي محض فضاءً لتلاقي المغاربة بمختلف أصولهم ولغاتهم داخل هوية مشتركة يجد فيها الجميع أنفسهم، وتشكل حاجزاً واقياً لهم من تطرف عروبة الشرق التي كان يعتقد آباؤهم أنها هي المرجع الوحيد؛ غير أنهم –على مستوى المرتكز الثاني- نراهم يتشبثون بمبدأ أن تظل اللغة الفرنسية (والإنجليزية أيضاً) التي يُتقنونها هي لغة الانفتاح وإعادة إنتاج النخب الحاكمة. وهم بهذا التصور يريدون أن يسقطوا طائرين بحجر واحد؛ إذ، من جهة، يريدون القطع مع التراث العربي-الإسلامي “المتجمد” –في نظرهم- والذي لا يُنتج، حسبهم، غير العنف والخراب في العالم، ولكنهم، من جهة ثانية، يريدون أن يتمثل النموذجُ اللغوي المغربي الدارج كلَّ القيم التي تحيل عليها اللغات الغربية، ويتركوا المجال مفتوحاً للغات العلم والتكنولوجيا الحقيقية لكي تستفرد بالمؤسسات التعليمية والإعلامية. إنهم ببساطة يقدمون لنا عروبةً “لايت” (خفيفة) بمضمون محلي وقيم غربية في مقابل العروبة الكلاسيكية “الثقيلة” التي كان يقدمها الآباءُ الوطنيون

ب-الاتجاه العروبي- الإسلامي:

وهو اتجاهٌ يمكن اعتبارُه امتداداً للاتجاه القومي المسيحي الذي نشأ بالشرق العربي منذ أواخر القرن الثامن عشر على يد رجال الدين الكنسيين، أولاً، ثم على يد القوميين البعثيين والإسلاميين في مرحلة تالية؛ ويتميز هذا الاتجاه في كونه جاء ابتداءً كردة فعل ضد الإمبراطورية العثمانية الأعجمية ثم تكرر في مرحلة تالية كردة فعل ضد سياسات الاعتناء بالهويات المحلية كما وقع في المغرب، مثلا، عندما وقفت بعض النخب المدينية الوطنية ضد ما سُمي في حينه بـ”الظهير البربري” أو جاء أيضاً ضد سياسات تهميش اللغة العربية الفصيحة، كما وقع، إبان الاستعمار، في الجزائر وفي غيره من البلدان الشمال إفريقية؛ وعلى العموم فإنه يمكن لنا التمييز داخل هذا الاتجاه بين موقفين:

– موقف تقليدي يدعو إلى اعتماد عربية فصيحة غير مفصولة عن تراثها اللغوي والديني والحضاري؛ ويمثله، بالدرجة الأولى، مجموع الاتجاهات الإسلامية التقليدية التي ظلت تُدافعُ عن عربية القرآن وترفض أي تعديل أو تغيير في أساليبها وأشكالها النحوية والبلاغية والتعبيرية، وذلك على اعتبار أن كلّ مس بأي مستوى من هذه المستويات يُعدُّ مسّاً بحجية القرآن نفسه؛ ولذلك فإن هذا التيار لم يكن، في العمق يُراهن سوى على الاعتناء بتعليمها وتعليم العلوم التقليدية المتصلة بها تماماً كما كانت تفعل الشعوب الإسلامية لقرون طويلة؛

– موقف يدعو إلى اعتماد عربية فصيحة متطورة تستعيد، من جهة، التراث العربي – الإسلامي وتحيلُ، من جهة ثانية، على نفس الوظائف التي كانت تقوم بها اللغات الاستعمارية من حيث التمكين للتقانة والعلوم والتكنولوجيا الحديثة؛ وهو موقف يشتركُ فيه القوميون البعثيون مع حركات الإسلام السياسي؛ غير أن الفرق بين القوميين والإسلاميين هو أن الأوائل حاولوا أن يمنحوا التراث الإسلامي مضموناً قومياً عربياً، فاعتبروا الدين لذلك جزءاً من الثقافة العربية (ليس وحياً)، وتبنوا على المستوى الإيديولوجي والسياسي الخيارات اللبيرالية والاشتراكية والعلمانية؛ وأما بالنسبة لحركات الإسلام السياسي فإنهم وإن تبنوا الموقف اللساني الذي يسمح بتطوير اللغة العربية الكلاسيكية ويزحزحُها عن نموذجها القرآني، ويمنحها إمكانيات الاضطلاع بالوظيفة التي كانت تضطلع بها اللغات الاستعمارية، فإنها رفضت الاحتكام على المستوى الإيديولوجي والسياسي إلى الخيارات الليبيرالية والاشتراكية والعلمانية وراهنت على اعتماد الإسلام مرجعاً في الحكم.

وقد ظل هذا الاتجاه، على تفاوت، يعتبرُ كل دعوة إلى تدريس الدوارج أو ترسيمها مؤامرةً ضد لغة العروبة ولغة القرآن، وحملة شرسة ضد الإسلام وضد وحدة الأمة العربية. ونتيجة للتفاعل الفكري الطويل بين القوميين والإسلاميين فإن الملاحظ هو أنهم أصبحوا يقدمون تقريباً نفس الحجج للدفاع عن اللغة الفصيحة (لغة القومية، ولغة الإسلام ولغة مشروع التحديث والتقانة)؛ وقد تأثر الوطنيون المغاربة سواء من ذوي الاتجاه السلفي أو القومي بهذا الاتجاه وتبنوا منطلقاته الإيديولوجية ودعوا إلى تحرير العربية الفصيحة من قيود أساليبها العتيقة وإلى جعلها قادرة على المواكبة العلمية والتكنولوجية والاضطلاع بوظائفها اللائكية والدينية؛ وقد استند هؤلاء في فرض أطروحتهم اللغوية على جملة من الحجج يمكن اختزال بعضها فيما يلي:

  1. إن اللغة العربية الفصيحة هي التي تعبر عن العمق الهوياتي العربي والإسلامي المشترك سواء من حيث إحالتها على مرجعية حضارية إسلامية زاخرة تمتد على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً أو من حيث إحالتها على مرجعية الانتماء القومي المشترك إلى أمة عربية واحدة تمتد من البحر إلى البحر؛ في حين اعتُبرت الدوارج العربية، شرقاً وغرباً، غير ذات عمق حضاري كذاك العمق الذي تُحيل عليه العربية الفصيحة؛ فهي، في نظرهم، وإن كانت تشكل امتداداً للأولى، إلا أنها لم تنتج ثقافة عالمةً ولا فكراً ولا علوماً ولا فلسفة ولا فقهاً ولا قرآناً إلخ
  2. إن اللغة العربية الفصيحة هي وحدها لغة الحضارة العربية – الإسلامية وهي وحدها لغة التحديث الاجتماعي والأداة القمينة للارتفاع بمستوى الوعي الشعبي؛ فهي صمام أمان في وجه كل محاولات التفتيت والتشرذم والاختراق التي تهدد الأمة المغربية والأمة العربية؛ وأما استعمال الدارجة في هذا المجال فلن يؤدي إلا إلى تعقيد الوضعية بشكل أكبر، بله وإلى صرف أموال باهظة على لغة غير مهيأة متناً ووضعاً في الاضطلاع بوظائف التحديث، وفي استيعاب التراث العربي الإسلامي التليد أو في استيعاب المعارف التكنولوجية الجديدة؛
  3. إن اللغة العربية الفصيحة هي لغة أمة عربية يصل أعداد ساكنتها إلى 350 مليون عربي، وهي لغة أمة إسلامية يستعملها على الأقل مليارُ مسلم خمس مرات في صلواته اليومية؛ وهي لغة رسمية لـ 22 دولة عربية، ولثلاث دول أخرى هي مالطا وتشاد وإسرائيل؛ وهي، على المستوى الاقتصادي، لغة البورصات في عدد كبير من الدول العربية، كما أنها سياسياً وثقافياً ودينياً، هي لغة التواصل الحقيقية على الصعيد الوطني والعربي والإسلامي؛ بالإضافة إلى كونها لغة عَبْرية، لأنها لا تنتمي إلى عرق محدد بل تنتمي إلى أمة متعددة الأعراق؛ أي إلى الأمازيغي والتركي والإيراني والماليزي والعربي إلخ.
  4. إن اللغة العربية الفصيحة أصبحت هي لغة المؤسسات الدولية والإقليمية، بما فيها منظمة الأمم المتحدة، واليونسكو و”جامعة الدول العربية”، و”منظمة المؤتمر الإسلامي”، و”الاتحاد الإفريقي” إلخ، كما أنها أصبحت اللغة الإعلامية المستعملة في الإنترنيت من طرف حوالي 65 مليون عربي، ولغة الفضائيات العربية التي أصبحت تشهد تنامياً متعاظماً، بل وتنافس القنوات العالمية، هذا إلى جانب كونها عرفت تقدماً في ميادين علمية مختلفة، مما ينفي عنها العجز في هذا الميدان ويؤكد قدرتها على التطور مستقبلاً؛
  5. إن الادعاء بأن اللغة العربية الفصحى لا تتقنها غالبية الشعب ادعاء لا أساس له من الصحة، وذلك لأن جل المغاربة يفهمون هذه اللغة، ويتابعون من خلالها أغلب البرامج التلفزيونية الناطقة بها سواء تعلق الأمر ببرامج القنوات المشرقية كالجزيرة أو ببرامج القنوات الوطنية، وهو ما تؤكده أرقام نسب المشاهدة، في هذا الشأن؛ ويؤكده التقارب اللغوي بين الدوارج وعربية الإعلام؛
  6. إن اللغة العربية الفصيحة ليست لغة مقطوعة الصلة بالدارجة المغربية، بل إن هذه الأخيرة تشكل امتداداً لها، وهذا ليس فقط على مستوى المعجم، ولكن أيضاً على مستوى البنيات التركيبية؛ ويتمخض عن هذا أن على العرب العمل من أجل رفع الدوارج إلى مستوى العربية الفصيحة، وليس العكس أي إنزال العربية الفصحى إلى مستوى الدوارج؛
  7. إن كل اللغات الممأسسة في العالم تتكون من مستويين: مستوى ممعير يوجد في المدرسة والإعلام والإدارة، ومستوى أو مستويات أخرى غير ممعيرة تعبر عن التنوع المحلي لهذه اللغة أو تلك؛ وهو ما يعني أن اللغة العربية الفصيحة ليست بدعاً وسط لغات كلها ممعيرة ولا تعيش وضعية الديكلوسيا (diglossie)، بله إنها، على العكس، تعيش نفس الوضعية أو أقرب منها؛ فهي لغة تتجه، في أنظار هؤلاء، إلى خلق ما يمكن تسميته بـ “المتصل اللغوي” القادر على بناء اللحمة الوطنية، وعبرها اللحمة القومية العربية؛
  8. إن مشكل تراجع مستوى التعليم في المغرب لا يرجع إلى اللغة العربية الفصيحة، في حد ذاتها، ولكن يرجع إلى النقص الهائل في الإمكانيات اللوجيستيكية والتربوية والموارد البشرية المؤهلة، كما يرجع أيضاً إلى السياسة اللاّوطنية للحكومات المتعاقبة من حيث تفضيل اللغات الأجنبية، وجعلها مزاحمة للغة الرسمية؛ ولذلك، فإنه بدلاً من توجيه الاتهام إلى هذه اللغة، يجب إعادة النظر في السياسة اللغوية المغربية، وفي المناهج الدراسية وتطوير البيداغوجيا، وتكوين المعربين تكويناً متيناً، وفرضها في جميع مؤسسات الدولة؛
  9. إن استعمال اللغة العربية الفصيحة في المدرسة والإعلام والقضاء والإدارة لا يمنع من استعمال الدارجة المغربية في بعض المؤسسات كالمحاكم والمستشفيات والإدارات لتحيين التواصل والتفاهم الشفهي، بله إن هذا هو ما يحدث في الحياة اليومية للمتقاضين، فليس هناك قاضياً، مثلاً، لا يأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى، مما يجعله ينتقل بشكل طبيعي بين اللغة العربية الفصيحة والدارجة في الحالة التي يكون فيها المتقاضي غير متقن للمصطلحات الفصيحة والتي هي في جميع الأحوال لا تتوفر عليها الدارجة المغربية بل تقترضها من العربية الفصيحة؛ وهو ما يشكل إغناء لها؛
  10. إن هناك تجارب عالمية ناجحة استرجعت لغاتها الكلاسيكية، مثل التجربة الإسرائيلية التي أحيت لغة ميتة وجعلت منها لغة الأمة العبرية؛ وهي تجربةٌ تؤكد أن المشكل ليس في اللغة العربية الفصيحة، ولكنه في الإرادة السياسية لدى النخب الحاكمة التي ظلت لسنوات طويلة مترددة بين العربية الفصيحة واللغة الفرنسية. فإذا كانت إسرائيل قد نجحت في إحياء لغتها، وأمم معيرت لغاتها بالتقريب بين مستوياتها اللهجية، فلم لا يفعل العرب نفس الشيء أيضاً؟
  11. إن ربط العربية الكلاسيكية بالتطرف الديني هي محاولة يائسة من طرف جماعة أقلية من الحداثيين لربط الإسلام بالعنف؛ في حين أن معرفة رصينة باللغة العربية هو ما سوف يؤدي إلى التخفيف من غلواء التطرف الديني، والجهل بها هو ما يؤدي إلى الغلو في الدين؛ ذلك لأن أكثر الاتجاهات الدينية المتطرفة ظهرت أيضاً في مجتمعات إسلامية غير عربية ولا تُدرس بها اللغة العربية إلا بوصفها لغة ثانية أو ثالثة؛ كما أن التيارات الإسلامية التي ظهرت في البلدان العربية خرجت بادئ الأمر من مؤسسات جامعية وأكاديمية ذات طبيعة علمية وتُستعمل بها اللغات الأجنبية وليس اللغة العربية؛ إن التطرف -يقول هؤلاء- يخرج أيضاَ من كليات العلوم التقنية وليس من كليات الشريعة والدين واللغة العربية.

وإذ يستوفي هذا الاتجاه حججه الكاملة فيما يتعلق بالدفاع عن اللغة العربية الفصيحة فإنه يقف أيضاً ليستنفذ حججاً أخرى في سبيل دحض الأطروحة التي يُقدمها المدافعون عن الدوارج؛ ويمكن لنا إجمال بعضها فيما يلي:

  1. إن تبني الدارجة المغربية سيجعل من الأمة المغربية أمة مقطوعة الجذور عن عمقها الهوياتي العربي الواسع، كما سيقف سداً منيعاً أمام استرجاعه للتراث الإسلامي والقومي العربي الذي يمتد على أكثر من أربعة عشر قرناً من التاريخ الحضاري لهذه الأمة، وهو ما يعني خسارة حضارية لا تعوض؛
  2. إن الدارجة لا تحمل أي قوة رمزية مقدسة كما تحملها لغة القرآن، وبالتالي فإن تبنيها معناه قطع العلاقة مع المضامين الدينية التي تحملها هذه اللغة، وهي بالتالي استعادة للسياسة العلمانية التي اتبعتها أوروبا منذ القرن الثامن عشر والتي كان من بين أهدافها الاستراتيجية القطع مع المنظومة الدينية والتأسيس للدولة اللادينية؛
  3. إن الدارجة المغربية غير قادرة على مواجهة الغزو الثقافي والحضاري الذي أصبحت تعيشه الأمة “العربية”، كما أن مصيرها مرتبط أساساً بمدى تشكل عربية فصيحة قوية بأعداد متكلميها، وبقوة الفضائيات العربية التي أصبحت تسجل لها حضوراً وازنا على الصعيد الوطني والدولي، هذا بالإضافة إلى ما تختزنه من تراث مكتوب يشكل العمق الحضاري للأمة العربية والإسلامية، والذي تفتقده الدارجة؛
  4. إن المغرب يعرف أكثر من تنويع دارج، فلكل منطقة تقريباً دارجتها التي تأثرت بمحيطها إلى الدرجة التي يصعب فيها، مثلاً، التواصل بين مواطن مغربي يتحدث بالحسانية ومواطن آخر يتحدث بالتطوانية؛ ولذلك فإن السؤال المطروح هو : أي لهجة ستمأسسها الدولة؟ الحسانية أو التطوانية أو الدكالية أو ..؟
  5. إن إشكالية اللاَّأمن اللساني (l’insécurité linguistique) التي يدافع بها المدافعون عن الدارجة ليست في العمق إلا محاولة للتخويف من أمر لا وجود له، وذلك لأن العربية الفصيحة تعتبر بالنسبة للناطقين بالدارجة امتداداً طبيعياً لهذه الأخيرة، وتعلمها لا يطرح أي مشكل إلا فيما يتعلق بتوسيع السجلات اللسانية للغة المتعلمة والتي تغني، في العمق، لغتهم الأم؛ وهي إشكالية تعرفها كل اللغات الممعيرة في العالم، ذلك لأن الأطفال يعتمدون معارفهم اللسانية الأولية التي تعلموها في البيت ليطوروا بها، في مراحل لاحقة، معارف أخرى مدرسية: لسانية ومعرفية؛
  6. إن اعتماد الدارجة المغربية في المنظومة التربوية يتطلب كلفة اقتصادية كبيرة، وهذا ليس فقط من حيث إيجاد الكفاءات العلمية والأطر المختصة المكونة، ولكن أيضاً من حيث طرح إشكالية المعيرة، والتهيئة اللسانية، وتأليف الكتب المدرسية ووضع البرامج، وترجمة الملايين من الكتب العربية التي أُلفت منذ 14 قرناً إلى الدارجة، وهو أمر غير ممكن القيام به حالياً؛
  7. إن الدارجة المغربية غير قادرة تماماً على نقل العلم والتكنولوجيا مما سيقف حاجزاً أمام عملية التنمية الوطنية، ويقف في وجه التقدم الاقتصادي والصناعي والأكاديمي الذي لا يمكن له أن يتحقق، في جميع الأحوال، إلا باعتماد العربية الفصيحة التي لها تراث وتاريخ في هذا المجال؛ وأما في حالة العكس فإن هذا قد يفتحُ المجال أمام اللغة الفرنسية أو أي لغة أجنبية أخرى لتسود ولتدفع بلغة القرآن إلى الهامش؛
  8. إن الدارجة المغربية هي نفسُها تعيش عالة على العربية الفصيحة من حيث المعجم والتراكيب؛ بله إنه لولا هذه العربية الفصيحة لما تمت عملية توحيد هذه اللهجات في المغرب؛ فإدماج الفصيحة في المؤسسات التربوية وفي الإعلام والإدارة قد أدى إلى إثراء تنويعاتها والتقريب بين لهجاتها وبناء نموذج لساني لهجي ممعير قريب من العربية الفصحى؛ وهذا يعني بكل بساطة أن استمرار تدريس اللغة العربية الفصيحة وتكثيف استعمالاتها في الإعلام وفي المؤسسات التربوية والإدارية سيؤدي لا محالة إلى توحيد السجلات اللسانية لمختلف العربيات كما سيؤدي، على المديين المتوسط والبعيد، إلى تملُّك جميع الشعوب “العربية” للغة الفصيحة؛
  9. إن المدافعين عن الدارجة المغربية إنما يريدون أن يقطعوا مع جذور الأمة الإسلامية، ومع التراث العربي المكتوب؛ فهم في غالبيتهم فرنكفونيون ولهم توجهات ليبيرالية وعلمانية؛ ولذلك فهم إذ يدعون إلى تبني هذه اللغة العامية فإنما يريدون أن يؤسسوا لمجتمع لائكي مقطوع عن ماضيه، يتبنى النموذج الحداثي الغربي ويمهد لسيادة اللغات الأجنبية.

الهوية المغربية لا تجد عمقها في مكون واحد دون الآخر، بل تجده في كل مكوناتها اللسانية والثقافية دون تمييز؛ فهذه الهوية هي نسيج لتفاعل حضاري عريق بين جميع هذه المكونات التي تُحدد بالضبط مفهوم المواطنة الحقة القائمة على مفهوم “تمغربيت” الحقة؛

إن الخلاصة هي أن هذا الاتجاه بقدر ما يؤكد على أهمية اعتماد اللغة العربية الفصحى في تحقيق التنمية والوحدة المفترضة لأمة عربية خالصة، بقدر ما يمعن في التنكر لأي تعدد أو خصوصية ثقافية أو لسانية أو حضارية داخل هذا الفضاء الجغرافي الذي يُسمى مجازاً “العالم العربي” (على حد تعبير الشاعر نزار قباني)؛ إنه يدعي أن الفصحى لغة لأزيد من 350 مليون عربي دون أن يأخذ بعين الاعتبار أن هذا الرقم لا يتقن أصحابهُ كلهم هذه اللغة الفصحى، وأن ملايين منهم في شمال إفريقيا وفي الشرق العربي لا يتكلمون هذه اللغة التي ينافحون عنها، بل ويرفضون أن يُعتَبروا عرباً؛ إنه اتجاهٌ، على عكس الأول، المدافع عن الدارجة، لا يعتبرُ الحضارة المغربية خلاصة لتفاعل تاريخي بين جميع الثقافات والحضارات التي تعايشت في هذه الرقعة منذ آلاف السنين؛ بل إنه ينفيها، جملة وتفصيلاً، ويقف فقط عند لحظة العروبة بوصفها لحظة فوقية تجبُّ كل ما قبلها؛ فهي، أي هذه اللحظة، لا تُحيلُ فقط على انتماءٍ عربي إسلامي وقومي جاء من مكان وزمن آخر، ولكنها لا تعترف أيضاً بأي خصوصية محلية التي تُرادف التشتت.

ويبقى مع ذلك أن الاتجاهين معاً يتفقان ضمنياً على أن الأمازيغية تشكل مرحلة تاريخية انتهت، مما يعني وجوب البحث، بالنسبة لهما، عن صياغة جديدة للهوية الوطنية؛ وذلك إما من خلال الدفاع عن الانتماء العروبي-الإسلامي المشترك (القوميون والوطنيون الأوائل والإسلاميون) الذي يجعلنا أمة كبيرة قادرة على قتال العالم والانتصار عليه، أو من خلال الدفاع عن الانتماء إلى مفهوم “تمغربيت” (الوطنيون الجدد) الذي يُمكننا من التعايش مع هذا العالم والاستفادة من ثرائه. وإن محاولة لتبيُّن بعض ملامح هذا المنطق كما يتم تقديمه لنا نجده لا يخرج عموماً عن الحجج التالية:

  1. إن اللغة الأمازيغية وثقافتها قد أصبحتا تُشكلان جزءاً من ماض انتهى إما باندماجه في هذه الطاحونة الهوياتية التي أصبحت تعبر عنها الدارجة المغربية، ويحددها مفهوم “تمغربيت”؛ أو بموته الرمزي لما انتصرت العروبة وساد الإسلامُ أرض “البربر” وانتشرت العربيةُ في أوساطهم وأصبحت هي لغتهم القومية ولغة دينهم الذي قضى على أعرافهم ووثنيتهم وجاهليتهم؛
  2. إن ما تبقى من هذه اللغة ومن هذه الثقافة سيكون مصيرهُ، بكل تأكيد، هو الاندثار، غير المأسوف عليه، على المديين القريب والمتوسط، نظراً لتراجع أعداد الناطقين بها أولاً؛ ونظراً لتحولها، ثانياً، بحكم انتشار العربية، إلى لغات الأقليات، وإلى تراث هامشي؛ وعليه، فإن المنطق والصراحة تفرض على المغاربة الأمازيغ التحلي بالواقعية والشجاعة والتخلي عما تبقى من هذه اللغة السائرة إلى الموت وتبني لغات وطنية أكثر انتشاراً، ولها وزن رمزي واقتصادي في عالم الوطنية والعوربة والعولمة؛
  3. إن تبني اللغة الأمازيغية بالشكل الذي هي عليه، أي بوصفها جزراً لغوية ضعيفة وغير ذات ماض حضاري ولا تراث مكتوب ولم تتم معيرتُها لقرون طويلة ولا أنتجت لغة وسيطة على غرار الدارجة المغربية يجعلها في مصاف اللغات “المتخلفة” ولا تخرج عن الاستعمال البسيط الذي يعوق أي أمل في التفاتهم عبر-وطني؛ وعليه فإن المطالبة بمأسستها والتدريس بها غير ممكن لأن تأهيلها يتطلب ميزانيات لا تقدر عليها الدولة المغربية (موقف الاتجاهين معاً)؛
  4. إنه في حالة تبني اللغة الأمازيغية أو تنويعاتها سيجعلنا أمام واقع إتني ولساني تصادمي بين مكوناتنا الوطنية، وسيجعل الأمة المغربية التي عرّبها الإسلام، أو عربتها القومية العربية، أو عربتها إيديولوجية “تمغربيت”، مهددة في كيانها الهوياتي العربي الموحّد، كما سيفتح الأبواب مشرعة للتشتت ولدعاوي الانفصال. وعليه، فإنه للخروج من هذا المأزق يجب تبني إما اللغة العربية الفصيحة الضامنة للوحدة العربية (“العروبة الثقيلة”) وإما تبني اللغة العربية الدارجة الضامنة للوحدة الوطنية (العروبة الخفيفة”)؛
  5. إن اللغة الأمازيغية بالإضافة إلى كونها لا تحيل على رمزية المقدس فإنها تحيل، بامتياز، على المدنس: فهي ما تبقى من لغات الجاهلية (بالنسبة للإسلاميين)، وهي ما تبقى من لغات الاستعمار (بالنسبة للوطنيين والقوميين ومعهم الإسلاميون)، وهي ما تبقى من شتات لغة متشظية ومتخلفة، وغير قابلة للمأسسة، متناً ووضعاً، بالنسبة للمتبنين لمفهوم “تمغربيت” (الوطنيون الجدد، والفرنكفونيون، ومعهم أيضاً القوميون والإسلاميون)؛
  6. إن تبني اللغة الأمازيغية سيجعل اللغة العربية الفصحى تدخل في منافسة معها (؟؟؟) مما سيؤدي إلى إضعافها، وإلى فسح المجال أمام لغة المستعمر (الفرنسية) الذي سيقضي على اللغتين معاً، ولذلك فإن المدافعين عن الأمازيغية ما هم في الحقيقة إلا فرانكوفونيين يدافعون عن الفرنسية، مثلهم مثل المدرّجين، ضداً على العربية الحقيقة (موقف العروبيين والإسلاميين)؛

وعلى العموم فإن الاتجاهين (الدّارج والقومي-الإسلامي) يتجهان معاً، كما نرى، نحو ما يمكن تسميتُه بـ”الانسجامية” الوطنية القائمة على لغة العروبة. ولذلك فإن هناك اتفاقاً ضمنياً بينهما على التضحية باللغة الأمازيغية وثقافتها بالشكل الذي تُصبح فيه إما جزءاً من “العروبة الخفيفة” أو خطأً تاريخياً يجب تصحيحُه بالاستعاضة عنها بـ”العروبة الثقيلة”. صحيحٌ أننا أصبحنا نلاحظ مؤخراً بعض الأصوات الإسلامية ومعها بعض الأصوات القومية اللبيرالية (وهي قليلة جداً) تدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الهوية التقليدي الذي طُرح منذ الاستقلال، وذلك باستدماج البعد الأمازيغي داخلها، إلا أن هذه الأصوات، للأسف، لم تتحول إلى تيار فكري أو سياسي داخل الأنظمة الحزبية والجمعوية والنخبوية لهذين الاتجاهين؛ وهو ما يجعلها عملياً منخرطة في نفس المشروع الهوياتي القديم الذي يعتبر الهوية المغربية عربية-إسلامية، ولا تأتي الأمازيغية إلا لتضيف إليها بعض الغنى الذي يجب أن لا يتناقض مع إسلامهم وقوميتهم أو مع ما يعتبرونه هويتهم الأصلية والأساسية.

ج-الاتجاه الأمازيغي –الحقوقي والوطني:

وهو اتجاهٌ يمكن اعتبارُه امتداداً للحركات الثورية التي كانت سائدة في أوساط المقاومة الشعبية بالبوادي المغربية؛ ويتميزُ هذا الاتجاه بكونه لم يكن، في البداية، يحمل أي مشروع إيديولوجي محدد عن مفهوم الهوية المغربية التي ستحملها الدولة الحديثة بعد الاستقلال؛ فقد كان مشروعه الأساسي هو حمل البندقية لطرد الاستعمار كما أن مفهومه عن الهوية الوطنية لم يكن ناضجاً بما يكفي نظراً لعدم استفادة النخب القروية من التعليم الذي وفرته الحماية في المدن أو وفرته أقطاب البورجوازية المدينية بالمدارس الحرة؛ إذ من المعلوم أن فرنسا وفرت تعليماً عصرياً ببعض الحواضر المغربية أمكن من تدريس اللغة العربية وتخريج عدد مهم من النخب المدينية ذات التكوين الجيد في اللغة الفرنسية، كما أن نخب الحركة الوطنية قد مكنت، من جهة ثانية، من تخريج عدد مهم من النخب المثقفة ذات التكوين الجيد في اللغة العربية وعلومها؛ ومع انتشار إيديولوجية القومية العربية والأفكار السلفية التي كان مصدرها الشرق العربي، وجدت هذه النخب الجديدة المتعددة المشارب الفكرية والسياسية نفسها أمام سؤال الهوية ونموذج الدولة المغربية الحديثة، مما جعلها تتبنى العروبة والإسلام بوصفهما انتماءً هوياتياً لدولة الاستقلال واللغةَ الفرنسية بوصفها انفتاحاً لهذه الهوية على الحضارة الغربية وعلى ما أنتجته وتنتجه من علوم وتكنولوجيا. هكذا، إذن، تكون هذه النخب قد حددت نموذج الدولة الذي تريده، وسدت جميع الأبواب في وجه أي نقاش في موضوع الأمازيغية إلى الدرجة التي تَحوّل فيها ما يُسمى بـ “الظهير البربري”، في الكتب المدرسية وفي الإعلام الوطني والملتقيات الحزبية والفكرية، إلى تُهمة جاهزة تُرفعُ في وجه كل من أراد أن يعيد طرح النقاش على أسس جديدة.

وعلى العموم فإن هذا التوجه الإقصائي للدولة في تحديد مفهوم الهوية الوطنية كانت له انعكاسات خطيرةٌ على أشكال التدبير المحلي؛ إذ في حمأة التأكيد على عروبة الهوية وتلبيس مفهوم الوحدة الوطنية لباس الوحدة العربية بمضامينها الدينية والقومية، أخذت النخبُ الجهوية تتململُ بعد أن لاحظت أن هذه الوحدة لا تمس فقط أشكالها الثقافية والأعراف التي تعتمدها لتنظيم المجتمع، ولكن أصبحت تمس أيضاً أشكال تدبير شؤونها المحلية عن طريق فرض مسؤولين مركزيين لا علاقة لهم بالمنطقة؛ لقد كانت هذه ضربة قاسية ليس فقط للنخب المحلية التي وجدت نفسها على الهامش ولكن أيضاً ضربةً قاسية لِما ظلت تحملهُ هذه النخب من قيم جماعية تتحدد بها هوية الجماعة. إن منطق الدولة كان يذهب في اتجاه تكسير الولاءات المحلية وأنماط التسيير القائم على الأعراف التي تتأسس عليها الهوية المحلية؛ في حين أن منطق النخب المحلية كان يذهب في اتجاه أن تُعزز الدولةُ هذه الولاءات للتمكين أكثر للهويات التقليدية. ونظراً إلى أن هذه النخب لم تكن ذات تكوين عال لكي تعيد النظر في المقومات التي تقوم عليها هوياتها في علاقتها بمشروع الهوية الوطنية، ونظراً كذلك إلى أن السلطة الجديدة وما يحيطُ بها من نخبٍ اقتصادية وسياسية كانت تستعجل تحطيم هذه الولاءات بهدف الاستيلاء على مصادر خيرات الجهات من أراضِ وغابات ومعادن إلخ، ثم نظراً أيضاً إلى أن السياق التاريخي القومي كان يضغطُ لصالح عروبة الشرق، فإن الدولة سرعان ما همشت هذه النخب، بل وصفّت جسدياً بعضها الآخر، وفرضت عليها مفاهيمها الخاصة التي أنضجتها الإيديولوجية العربية-الإسلامية؛ وموازاة مع ذلك عملت بجدّ على محو أي أثرٍ يُبرز مشروعية هذه الهويات على المستويين الأكاديمي والإيديولوجي؛ فأغلقت كل المعاهد والمدارس التي أنشأها الاستعمار الفرنسي لتدريس الأمازيغية والتوثيق لها علمياً، بل وغيبت كل تلك الوثائق التي تم إنتاجها لعقود طويلة.

وأمام هذا الواقع الجديد لم يكن أمام هذه النخب المحلية، وهي الحديثة العهد بحمل السلاح ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني، سوى أن تنتفض؛ هكذا، إذن، ستندلع سنة 1956 أحداث الأطلس المتوسط مع عدي أوبيهي ثم تليها أحداث سنة 1958 بالريف مع محمد سلام أمزيان؛ وقد كان الشعار الذي ظل يحملُه المنتفضون هو: “يحيى محمد الخامس، يسقط حزب الاستقلال أوْ لا لِحكم “لَفْواسَة””؛ وهو شعار يُعبر بالضبط عن مفهوم لهويةٍ مُختزلة في نوع التنابذ الطائفي القائم على نفس التصور التقليدي الذي كان سائداً في المجتمع المغربي القبَلي قبل الحماية؛ بمعنى أن هذه النخبة، رغم أن بعض قياداتها كانت واعية بالرهانات السياسية للحاكمين الجدد، فإن غالبية المنتمين إلى هذه النخبة ومعها الشرائح الاجتماعية، قد أوَّلت القرارات السياسية للحاكمين الجدد باعتبارها فرضاً لمركزية “عروبية” و”طائفية” (“لفواسة” و”حزب الاستقلال” في مقابل القبائل الأمازيغية)، وفي نفس الوقت لم تتمكن من بناء تصور حداثي للهوية يتلاءم مع وضع الدولة الجديدة ويقف ندّاً أمام التصور الشرقاني؛ ولذلك سنرى أن بعضها سيبقى، في مراحل لاحقة، ملتزماً بإعادة إنتاج نفس التصورات التقليدية خلال تدافعاته الانتخابية، إما دفاعاً عن العرش الذي كان يُعتبرُ فوق الانتماءات الإتنية (الشرف)، أو  للحصول على مقعد ما في البرلمان، في الوقت الذي سيُعلنُ البعض الآخر حربهُ ضد الدولة المركزية (المخزن) بتبنّيه لنفس الإيديولوجية القومية أو الإسلام السياسي اللتين شكلتا الملاذ الوحيد لمواصلة المقاومة.

لم تستطع، إذن، النخبُ التقليدية الأمازيغية أن تؤسس لهذا المفهوم الجديد عن الهوية المغربية في تعدد مكوناتها؛ ولذلك كان لابد من الانتظار إلى أن تتشكل نخبٌ جديدة في مغرب الاستقلال. وهي النخب التي استفادت من التعليم الوطني بشقيه العربي والفرنسي. صحيحٌ أننا نجد بذوراً لهذا التصور عن الهوية لدى بعض هذه النخب التي اكتوت بنار التسلط الاستعماري أمثال البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي لم يكتف فقط بتدريس اللغة الأمازيغية بمدينة مليلية بل كان يُشجع الريفيين أيضاً على الكتابة بها؛ وأمثال لحسن اليوسي ومبارك البكاي اللذين فضلا الاشتغال من داخل المخزن لإيقاف بعض الاختيارات السياسية لحزب الاستقلال؛ أو كذلك المحجوبي أحرضان الذي عبر، منذ البداية، عن موقفه من الهوية المغربية وتأكيده على انتمائه الأمازيغي؛ أو كذلك النخبُ الاقتصادية السوسية التي أعلنت موقفها من النخب الاقتصادية والسياسية والفكرية الفاسية المنتمية لحزب الاستقلال بإعلان انخراطها، في مرحلة محددة، في الحزب الثوري المعارض للمخزن آنذاك وهو حزب UNEFP إلخ؛ إن كل هذه النخب التي عارض بعضُها المخزن أو وقف بعضُها الآخر إلى جانب القصر ضداً على توجه سياسي حزبي معيّن، ظلت، للأسف، مستَغْرقَةً بشكل كلي في الصراعات السياسية المؤثّثة بالتنابذات الطائفية؛ ولذلك فهي لم تتمكن أبداً من بناء تصور واضح عن نموذجها الجديد للهوية المغربية؛ صحيحٌ أنها أوقفت زحف العروبة الانقلابية البعثية التي وجدت لها مرتعاً في سوريا ومصر واليمن وليبيا والجزائر إلخ ولكنها لم تنجز مشروعاً فكرياً وإيديولوجياً قادراً على مواجهة المشروع الفكري والإيديولوجي الهوياتي الذي تبنته القوى العروبية والإسلامية.

ويمكن أن نعتبر محمد شفيق، المديرُ السابق للمدرسة المولوية والعميد السابق للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية والعضو الحالي بأكاديمية المملكة المغربية، أحد المثقفين الأمازيغيين الذين انتبهوا مبكراً إلى هذا “العجز” الذي تعيشه الهوية المغربية على مستوى بناء مفهوم هوياتي جامع للاعتراف بالخصوصيات والمكونات المحلية؛ ولذلك عمل على الكتابة في هذا الموضوع وعلى إثارة الانتباه إلى ضرورة الاعتراف بالأمازيغية في إطار وحدة وطنية قوامها التعدد والتنوع؛ لقد شرع في كتابة سلسلة من المقالات حول الدلالات العميقة للأمازيغية في بناء الهوية المغربية، وذلك منذ سنة 1967 بمجلة آفاق؛ كما أنه أصدر كتابين الأول سنة 1972 بعنوان “أفكار متخلفة” والثاني سنة 1974 بعنوان “ما يقوله المؤذن”، حيث حاول فيهما أن يدحض تلك المواقف العروبية والإسلامية التي كانت تربط الإسلام بالقومية العربية، وتنفي عن المغرب عمقه الأمازيغي؛ وموازاة مع ذلك حاول أن يؤثر على بعض منظري الإسلام السياسي من أمثال عبد السلام ياسين فراسلَه ودخل معه في حوار فكري عميق حول الإسلام والهوية مما نتج عنه أن أصدر هذا الأخير كل المحاورات التي جرت بينهما في كتاب بعنوان “حوار مع صديق أمازيغي” سنة 1997؛ ونظراً إلى الخلافات التي انفجرت أيضاً، في مجلس حكومي، بين الوزيرين المحجوبي أحرضان، من حزب الحركة الشعبية، ومحمد الدويري، من حزب الاستقلال، حول القضية الأمازيغية وإشكالية الهوية بالمغرب، فإن المرحوم الحسن الثاني سيكلف محمد شفيق بإنجاز أول تقرير مفصل عن الموضوع، وسيقدمه إلى الحكومة للنظر في إمكانية تدريس الأمازيغية؛ إن هذا الرجل الذي فهِمَ باكراً أن التصور التقليدي عن الهوية والقائم على التنابذ الطائفي لم يعُد قادراً على الحفاظ على مكونات الانتماء المغربي، بل وقد يسيءُ إليها في سياق إيديولوجي يدعو، بشكل قسري، إلى تذويب الشعوب والثقافات في بوتقة الأمة العابرة للحدود الوطنية، قد جعله ينصرف جزئياً عن النضال السياسي ويُكرسُ كل وقته للعمل الأكاديمي القائم على التعريف بالحضارة الأمازيغية، إما في إطار أكاديمية المملكة أو في إطار تأليفه لعدد مهم من المؤلفات في مجال التاريخ (1989) أو في مجال تعليم اللغة الأمازيغية (1991) أو كذلك في مجال اللغة خاصة عمله الجبار الذي أسفر عن إصدار معجم عربي-أمازيغي ما بين سنة 1990 وسنة 2000.

وهنا لابد من الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى هذا العمل الأكاديمي الذي كان يقوم به محمد شفيق (ونخبٌ أمازيغية شابة أخرى تخرجت حديثاً من الجامعات المغربية والأجنبية)، كانت الساحة الثقافية المغربية قد بدأت تعرف، منذ الستينات، تحولات عميقة في الوعي الهوياتي الأمازيغي؛ ذلك لأن النخب الأمازيغية التي استفادت من التعليم الوطني وبدأت تجد لها مواقع أقدام داخل المدن المغربية أخذت شيئاً فشيئاً تبتعد عن الطروحات القومية والطروحات الوطنية العروبية أو الإسلامية التي كانت سائدة في جميع الأوساط المثقفة، وأخذت تنأى بنفسها عن هذه الطروحات الإقصائية من خلال تأسيس جمعيات ثقافية، كجمعية البحث والتبادل الثقافي التي تأسست سنة 1967 بمدينة الرباط، وجمعية الانطلاقة الثقافية التي تأسست سنة 1978 بمدينة الناظور والجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية التي تأسست في نفس السنة بالرباط والتي ستُعرفُ لاحقاً باسم جمعية “تاماينوت” ثم جمعية الجامعة الصيفية التي تأسست سنة 1980 بمدينة أكادير بعد أحداث “الربيع الأمازيغي” التي اندلعت بمنطقة القبائل بالجزائر إلخ. وفي نفس الوقت ستعرف الساحة المغربية آنذاك نقاشاً فكرياً مهماً شارك فيه مؤسسو هذه الجمعيات من أمثال إبراهيم أخياط وأحمد بوكوس ومرزوق الورياشي ومحمد مستاوي وحسن إيد بلقاسم إلخ بالإضافة إلى أساتذة جامعيين وفاعلين جمعويين آخرين من أمثال محمد الشامي وعبد الله بونفور أحمد أكواو والمرحوم قاضي قدور والمرحوم علي صدقي أزايكو إلخ. وقد تميز هذا النقاش -لأول مرة- بكونه لم يعُد يمتح من سجلات الفكر الهوياتي التقليدي الذي كان سائداً إلى حدود أواخر الخمسينات؛ بل أصبح يمتح من معينين: معين البحث الأكاديمي الذي أنجزه بعض هؤلاء الشباب بمناقشتهم لأطاريحهم الجامعية في موضوعات تتعلق باللغة الأمازيغية أو بالتاريخ أو بالأدب أو بالسوسيولوجيا والأنتروبولوجيا إلخ؛ فقد رجع العديد منهم مسلحين بمعارف أساسية ومتينة لمناقضة كل الأطاريح الإيديولوجية التي كانت تُعتمد من أجل التأكيد على الهوية العربية –الإسلامية للمغاربة ونفي العمق الأمازيغي عنها؛ وأما المعين الثاني فهو معين المرجعيات الحقوقية العالمية التي ساهم الأمازيغ بشكل كبير في نشرها داخل الأوساط الطلابية والحزبية والدعوية والحقوقية إلخ؛ إذ استناداً إلى مفاهيم التعدد والتنوع وتكافؤ الفرص والحق في التعليم والإعلام باللغة الأم والدفاع عن النفس بها داخل المحاكم إلخ أصبح الخطاب الأمازيغي خطاباً مؤسساً لمفهوم جديد للهوية المغربية القائمة على احترام الخصوصيات وتنميتها في إطار هوية جامعة هي الهوية المغربية. وبطبيعة الحال فإن هذا النقاش لم يسلم من تدخلات خطيرة ضد أقطاب هذا التوجه الجديد، إذ تم، مثلاً، اعتقال علي صدقي أزايكو (الكاتب العام للجمعية الثقافية أمازيغ) مع أوزين أحرضان بعد أن نشر الأولُ مقالاً، في مجلة هذا الأخير، عن دخول العرب إلى شمال إفريقيا؛ كما تم اعتقال المحامي حسن إيد بلقاسم لمجرّد أن علق لوحة على باب مكتبه وعليها كتابة تيفيناغ؛ هذا بالإضافة إلى محاولة اغتيال إبراهيم أخياط (يُنظر تفاصيل ذلك في كتابه “النهضة الأمازيغية”) واختفاء بوجمعة الهباز بشكل غامض منذ سنة 1981.

ومع ذلك فإنه لم يكن لهذه التدخلات لتوقف المطالب الثقافية للأمازيغ، بل إنها أصبحت تتخذ لها أشكالاً جديدة من التنظير والتنظيم والتي منها الإعلان عن “ميثاق أكادير” (1991) الذي أكد على مفهوم “التنوع في الوحدة”؛ بل والذي اعتُبر بمثابة الميلاد الرسمي للحركة الثقافية الأمازيغية؛ ثم إصدار “بيان الاعتراف بأمازيغية المغرب” (2000) الذي لم يطالب فقط بترسيم اللغة الأمازيغية، بل ربط بين الاعتراف بالهوية المغربية وبالحقوق اللغوية والثقافية وبين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأمازيغ؛ وأمام التجربة التي أخذ يراكمها الفاعلون في هذا المجال أخذت الحركة تتخذ لها شكل تنسيقيات وطنية أو كونفدراليات جهوية بل وانتقلت منذ سنة 1994 لتُصبح ذات تنظيمي عالمي.

والذي يهمّنا من كل هذا هو أن أقطاب هذه الحركة يُعتبرون اليوم من أكثر النخب استيعاباً لمفاهيم حقوق الإنسان ومن أكثرهم استيعاباً للثقافتين العربية والغربية؛ إذ بالرغم من كونهم ينتمون في غالبيتهم إلى أسر متواضعة حضرية وقروية، بل وبالرغم من كونهم يشكلون نتاجاً للمدرسة المغربية الوطنية التي أرادت تعريبهم، فإن أغلبهم يتقن، على الأقل، اللغتين العربية والفرنسية زيادة على لغتهم الأمازيغية، بل وأحياناً يتقنون معها لغات أخرى كالإنجليزية والإسبانية بحكم التخصص أو بحكم الجهات التي ينتمون إليها. ونتيجة لتكوينهم هذا ثم لتأثرهم بمفاهيم التعدد وانخراط الكثير منهم في الدفاع عن القضايا الحقوقية فإنهم أنتجوا أدبيات نضالية تتسم بالكثير من العقلانية والتوازن والشمولية والنسبية؛ إن مواقفهم الفكرية والمطلبية لم تكن أبداً إقصائية كما دأبت على فعل ذلك، مثلا، الاتجاهات ذات التوجه القومي والإسلام السياسي ومؤخراً الاتجاه التكنو-وطني اللبيرالي؛ فكل مطالبهم التي عبروا عنها من خلال وثائقهم الرسمية منذ الستينيات إلى اليوم تتميزُ بتركيزها على مفاهيم التعدد بوصفها خاصية مغربية تمتد بجذورها في أعماق تاريخ شمال إفريقيا؛ ولذلك فإنهم بقدر ما اعتبروا كل الدعوات الداعية إلى لغة واحدة أو ثقافة واحدة دخيلة على الفكر المغربي المتميز تاريخياً بالتسامح والانفتاح على الآخر، بقدر ما دعوا إلى احترام التعدد اللساني الوطني بتنوعه، أي الأمازيغي والدارج والعربي الكلاسيكي إلى جانب اللغات الأجنبية الأخرى التي أصبحت تُشكلُ بدورها جزءاً من هويتنا وكياننا الإنساني؛ وعلى هذا الأساس فإن اختراعهم لمفهوم “تمغربيت” لم يكن بقصد تذويب مكون أو مكونات في مكون آخر للحصول على هذه الواحدية الهوياتية التي يُطالبُ بها المدرّجون، ولا كانوا يقصدون بها إقصاء اللغة العربية الفصحى لفتح الأبواب مُشرعة أمام الفرنسية أو الإنجليزية؛ إن ما يقصدونه بـ “تمغربيت” هو هذه الروح المتسامحة التي تُمكننا من أن نعترف بكل خصوصياتنا وبكل مصادرها دون تذويب ولا إقصاء. وإذا كانوا قد اتخذوا مواقف مناهضة للعروبة بمفهوميها الديني والقومي فإنهم لم يكونوا يقصدون بذلك تلك العروبة كما يعيشها العرب في أوطانهم، والتي انفتحوا عليها وأغنت ثقافتهم المحلية، بل قصدوا بذلك العروبة الإيديولوجية التي أُريدَ بها استبدالُ وضع هوياتي قائم لشعب بوضْعٍ هوياتي آخر لشعب آخر؛ وعلى هذا الأساس فإنهم:

اختراعهم لمفهوم “تمغربيت” لم يكن بقصد تذويب مكون أو مكونات في مكون آخر للحصول على هذه الواحدية الهوياتية التي يُطالبُ بها المدرّجون، ولا كانوا يقصدون بها إقصاء اللغة العربية الفصحى لفتح الأبواب مُشرعة أمام الفرنسية أو الإنجليزية؛ إن ما يقصدونه بـ “تمغربيت” هو هذه الروح المتسامحة التي تُمكننا من أن نعترف بكل خصوصياتنا وبكل مصادرها دون تذويب ولا إقصاء.

  1. لم يعتبروا اللغة العربية الفصيحة أجنبية عن بلد مثل المغرب؛ بل اعتبروها دائماً إحدى اللغات التي لعبت دوراً مهماً في الإحالة على المرجعية الدينية للمغاربة المسلمين وفي ممارسة طقوسهم الدينية بكل حرية؛ وهو ما يعني أن هذه اللغة لم تفشل تاريخياً في لعب دورها الذي أُنيط بها والذي بسببه تبناها الأمازيغ منذ قرون؛ إلا أنهم اعتبروا أن فشلها تحقق فقط في اللحظة التي أُريدَ لها أن تضطلع بدورِ آخر؛ أي عندما تمّ تحويلُها من لغة المرجعية الدينية إلى لغة الهوية المغربية المعادية لخصوصياتها المحلية؛
  2. لم يُحملوا هذه اللغة الفصيحة أي مسؤولية عن المآزق الهوياتية والثقافية والتربوية التي وقع فيها المغربُ منذ الاستقلال إلخ بل حمّلوا المسؤولية للنخب القومية والإسلامية المسيطرة التي منحت لغة القرآن وظائف ليست بوظائفها الأصلية وجعلت منها لغة لتبرير العروبة الإيديولوجية والإسلام السياسي وفرضها قسراً دون اعتبار للواقع اللساني والثقافي المغربي؛
  3. لم يتخذوا أي موقف رسمي معادٍ لهذه اللغة الفصيحة؛ بل طالبوا في وثائقهم أن تحظى أيضاً بنفس المكانة التي أرادوها ويريدونها للغة والثقافة الأمازيغيتين؛ فقد طالبوا، مثلاً، في العديد من بياناتهم ورسائلهم إلى الجهات العليا أن تكون هذه اللغة رسمية إلى جانب اللغة الأمازيغية؛ وهذا كله دفاعاً عن مفاهيم التعدد والتنوع التي يومنون بها؛
  4. اعتبروا أن الهوية المغربية لا تجد عمقها في مكون واحد دون الآخر، بل تجده في كل مكوناتها اللسانية والثقافية دون تمييز؛ فهذه الهوية هي نسيج لتفاعل حضاري عريق بين جميع هذه المكونات التي تُحدد بالضبط مفهوم المواطنة الحقة القائمة على مفهوم “تمغربيت” الحقة؛ ولذلك فهم لم يفاضلوا بين هذه المكونات، ولم يدعوا إلى إقصاء إحداها لصالح الأخرى بل اعتبروا دائماً أن لكل مكون وظائف خاصة وأساسية يجب أن يقوم بها؛
  5. انطلقوا من منطلقات حداثية وتنموية لمأسسة الأمازيغية؛ وبذلك تمكنوا من القطع بشكل أساسي مع كل التصورات التقليدية والعرقية للهوية والقائمة إما على التنابذ الطائفي أو على الادعاء بالانتماء إلى حضارة وجنس أفضل وأسمى وعابر للقارات؛ وعلى هذا الأساس فإنهم اعتبروا الاهتمام بالأمازيغية لغة وثقافة إنما هو اهتمام بالمواطن المغربي سواء من أجل تجويد تكوينه في المدرسة المغربية (التعليم باللغة الأم) أو من أجل تسريع وتيرة محو الأمية أو لتحقيق مردودية اقتصادية واجتماعية أفضل أو بهدف تحقيق العدالة في المحاكم المغربية والقضاء على البيروقراطية الإدارية، أو أيضاً من أجل التربية على مفاهيم حقوق الإنسان وقيم الاعتدال والتسامح والمواطنة واحترام الآخر إلخ.

وعلى هذا الأساس فإن الحركة الأمازيغية بشقيها الثقافي والسياسي وكذلك الأكاديمي والحقوقي تكون قد قدّمت نموذجاً لمفهوم الهوية المتسامح والمتعايش والقائم على احترام كل مكوناتها الوطنية دون تمييز؛ ولكن يبقى مع ذلك يجب أن ننتبه إلى أن المرتكزات الفكرية والحقوقية التي تعتمدها الحركة الثقافية الأمازيغية للدفاع عن قيم التعدد والتنوع، ومن ضمنها الدفاع عن العربية الفصيحة والدارجة، ليست هي نفسها لدى الاتجاه التكنو-وطني اللبيرالي ولدى الاتجاه القومي الإسلامي؛ ذلك لأنه في الوقت الذي:

يؤكد فيه الاتجاه التكنو- وطني اللبيرالي على نفس المفاهيم الحقوقية والحجج العلمية التي كرّستها الحركة الثقافية الأمازيغية منذ أكثر من خمس عقود، للدفاع عن الدارجة المغربية بوصفها لغة المستقبل، نراهُ لا يفعل، للأسف، نفس الشيء عندما يتعلّق الأمرُ باللغة الأمازيغية وثقافتها؛ إنه، على العكس من ذلك، ينحو في اتجاه أن يتبنّى نفس إيديولوجية العروبة الإقصائية؛ والخطيرُ في هذا الطرح هو أن هذه العروبة المقترحة تحت مفهوم “تمغربيت” لن تكون موجهةً ضد اللغة الفرنسية بل أساساً ضد اللغة الأمازيغية؛ وذلك لاعتبارين اثنين على الأقل:

–       أولاً: لأن الدارجة المغربية هي الأكثر انتشاراً والأكثر تمركُزاً في المدن المغربية بحكم الواقع التاريخي الذي فرضتْه سياسات التعريب التي مارستها الحكومات العربية المتوالية منذ الاستقلال إلى اليوم؛ فهذه اللغة التي استفادت من وضعيتها الشبه-رسمية لتُستعمل بشكل مكثف في الإعلام وفي العديد من المجالات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية (أحمد بوكوس، 2013)، قد أصبحت الأكثر تهديداً للغة الأمازيغية لمزاحمتها لها في جميع الاستعمالات التواصلية غير الشكلية ولاكتساحها لأغلب الحواضر المغربية؛ فهي، إذا استعرنا تعبير جان لوي كالفي، وهو يتحدث عن لغات المدن الكبرى، قلنا أن هذه اللغة قد تحولت إلى مطحنة كبرى لطحن جميع التنويعات الأمازيغية والدوارج القروية من أجل تأكيد مفهوم “تمغربيت” الإقصائي؛ وأما في حالة اعتمادها كلغة رسمية ومؤسساتية لجميع المغاربة، ودون أن تؤخذ احتياطات مأسسة الأمازيغية بالشكل المطلوب، فإن القضاء عليها سيكون مبْرَماً وسريعاً جداً.

–       ثانياً: لأن الدارجة المغربية بحكم التغيُّرات التي مستها على مستوى المعجم والبنيات النحوية والصرفية والدلالية إلخ قد أصبحت تتجه لأن تكون امتداداً للغة العربية الفصيحة الوسطى التي بدأت في التشكّل منذ بدايات القرن العشرين بسبب انتشار التعليم وتكاثف وسائل الإعلام العابرة للدول والقارات إلخ؛ فبعد أن كانت الدوارج المغربية في القرن التاسع عشر غير متواصلة ولا يتحقق بها التفاهم ما بين دكالي وتطواني مثلاً- كما يذهب إلى ذلك محمد شفيق- أصبحت اليوم، بسبب تدخل العربية الفصيحة، هي اللغة اللانكوا-فرانكا المغربية، أي اللغة العَبْرية التي يتحقق بها التواصل على الصعيد الوطني بين أغلب المواطنين المغاربة، بل وتُحقق تواصلاً مهماً بين مختلف العربيات سواء على صعيد شمال إفريقيا أو على صعيد الشرق العربي؛ إن هذه الدارجة التي كانت إلى حدود الخمسينات من القرن الماضي جزراً معزولة وأقربُ إلى الأمازيغية في معجمها وطريقة نطقها بل وتعكس نفس القواعد لهذه الأخيرة ونفس البنيات البلاغية قد أخذت تنهلُ بشكل لم يسبق له مثيل من عربية المدرسة والإعلام العربي المكثف مما أدى ويؤدي إلى تقريب الشقة بينها؛ وهو أمرٌ لن ينتهيَ فقط في المستقبل القريب إلى بناء لغة وطنية ممعيرة متجهة نحو التعابير الفرنسية، كما يعتقد المدرِّجون، بل سينتهي كذلك إلى بناء نموذج لغوي عربي عابر للدول الوطنية؛ وهو ما يعني مرّة أخرى أن الدارجة المغربية المعبرة عن خصوصية “تمغربيت”، ستنتهي على المديين المتوسط والبعيد بأن تجد نفسها في أحضان العروبة الثقيلة التي يُريدُ المُدرّجون اليوم التنصُّل منها؛ وبتعبيرِ أوضح إن اعتماد الدارجة المغربية رسمياً لن يؤدي إلا إلى تطويرها في اتجاه النموذج اللساني الذي يُقدمهُ لنا المشارقة؛ ولكن بعد ماذا؟ بعد أن تكون هذه الدارجة الممأسسة قد أدّت عملها التّصفوي على أحسن وجه فيما يخصّ القضاء على اللغة الأمازيغية.

تدَّعي النخبُ الوطنية والقومية والسلفية أن اللغة العربية الفصيحة التي تريدُ أن تفرضها على كل المغاربة هي لغة القرآن، نجدها على العكس من ذلك تعمل من أجل إبعاد هذه اللغة عن منابعها اللسانية الأصيلة وتقريبها من اللغات الغربية التي أصبحت تشكل بالنسبة لها النموذج المحتذى؛ وبهذا فهي تمارسُ تغليطاً خطيراً على المغاربة؛ إن هذه اللغة المفروضة هي:

–       على غرار الدارجة المغربية في طريق تغيير بنياتها النحوية وأشكال تعبيرها وقواعد اشتغالها كما كان يطالبُ بذلك منذ القرن الثامن عشر مسيحيو الشرق العربي، بل وكما أعاد ترديد ذلك وطنيونا وقوميونا ومفكرونا المغاربة في القرن العشرين (علال الفاسي، محمد عابد الجابري، عبد القادر الفاسي الفهري إلخ)؛ إذ باسم عصرنتها وإخراجها من أسْمال أساليبها العتيقة وجعلها قابلة لكي تُعبر عن العلوم الحديثة تمت الدعوة إلى التخلي عن أبواب النحو المعقّدة فيها، وتجديد معجمها واستعارة المصطلحات وأشكال التعبير من اللغات الكبرى كالفرنسية والإنجليزية؛ بل وكذلك التقريب بينها وبين الدوارج والعاميات العربية بما يجعل منها لغة الحياة اليومية للمواطنين؛ وبطبيعة الحال فإن هذه الدعوات قد وجدت لها من يُنفذها على مستوى السياسات التربوية والإعلامية والإدارية إلخ على صعيد كل الدول التي تنتمي إلى إطار ما يُسمى بـ “الجامعة العربية”، وهو ما أدى في الأخير إلى أن تتشكّلَ لغة عربية يطلق عليها اللسانيون اسم اللغة الفصحى الوسيطة؛ أي تلك اللغة التي أخذت تبتعدُ عن اللغة الكلاسيكية التي أُنزِلَ بها القرآن، وتتجه إلى بناء نموذجها الخاص والذي اعتبرَه عبد السلام ياسين نموذجاً لقيطاً يفتقد إلى الروح الإسلامية.

–       على غرار اللغة الفرنسية والإنجليزية في طريق تغيير وظائفها التقليدية من حيث الإحالة على مرجعيات القرآن الأساسية واستبدالها بالوظائف اللائكية من حيث إرادة الإحالة على التقانة ومفاهيم العلمنة إلخ. وهو ما يعني أن هذه اللغة التي تُفرضُ باسم الدين لا يُراد لها –في العمق- أن تحيل على هذا الدين، بل يرادُ لها أن تضطلع بوظائف التحديث. فلأنها أصبحت لغة التنمية والتحديث ولم تعُد لغة الدين العتيقة كان لابُدّ من تغيير أشكالها وقواعدها النحوية لكي تضطلع بهذا الدور الجديد.

وينتج عن هذا، أن دعوة التعريب هي دعوة مغلوطة ومضللة؛ مغلوطة لكونها دعوة إيديولوجية تستعملُ الدين والتراث العربي الأصيل من أجل تحقيق هدف تعريب المجتمع وعلمنته بلغة جاءت في الأصل لتحمل مضامين القرآن؛ ومضللة من حيث كونها تُضلل الأمازيغ عن لغتهم الأصلية التي يُفترَضُ أن يحققوا بها التحديث لأنفسهم. ولكونها دعوة إيديولوجية وتقترح نموذجاً عن دولة حديثة تتبنى الهوية العربية، فإن الأمازيغ في هذه الحالة، ومعهم كل الشعوب الإسلامية غير العربية ذات الوضع الأقلياتي، سيكونون غير معنيين بهذه الدعوة، أو على الأقل مدعوين بدورهم لاتخاذ القرار في اللغة الفصيحة التي يريدون تبنيها: لغة فصحى تتجه إلى أن تأخذ مكان لغتهم وتحملَ إليهم مضامين التحديث أم لغة فصحى تبناها أجدادُهم ولعبت دوراً مهماً في الإحالة على مرجعيتهم الدينية؟؛ أو تبنيهما معاً لكن في بشرط أن تكون لغتهم الأمازيغية هي الأساس في تحقيق التنمية والتحديث.

6- خلاصة القول الاخيرة:

وجهان لعملة واحدة: تعريب المغرب وتسريع الانتهاء من الهوية الأمازيغية المزعجة سواء تعلق الأمر باللغة العربية الفصيحة، أو بالدارجة المغربية، فإن مشاريع التكنو- وطنيين اللبيراليين ومشاريع العروبيين الإسلاميين تتجه جميعها نحو بناء مجتمع انسجامي تختفي فيه الأمازيغية؛ وبالرغم من أن الاتجاهين يختلفان من حيث المستوى اللساني الذي يريدان فرضه، ومن خلاله القيم التي يريدان بثها في المجتمع، فإنهما ينهلان معاً من نفس النموذج اليعقوبي الفرنسي ومن نفس النموذج اليعقوبي العروبي القائم على “تصفية” الخصوصيات.

إن النخب القومية والإسلامية التي بنت خطابها الإيديولوجي على مفهوم لغة القرآن ستُحوّلُ هذه اللغة إلى حصان طروادة، كما يقول جاك بيرك، لتأكيد قيم التغريب؛ إذ في حمأة البحث عن عربية تعيدُ الأمجاد الغابرة وينحاز مرجعها القيمي إلى قيم الغرب تمت التضحية بلغة الفقهاء التقليديين، وتمت مقاومة كل مطلب لساني هوياتي غير عربي؛ وإذا كان التاريخ اللساني بشمال إفريقيا قد أكد لنا أن لغة القرآن لم يسبق لها أن مارست منعاً للغات الأم، لكونها كانت ذات وظيفة دينية بالأساس، أو كما يعبر عن ذلك هنري كوبار، ذات وظيفة ميتية، فإن السياسة اللسانية الجديدة التي غيرت الوظيفة الأصلية لهذه اللغة، قد جعلتها تمارس وظيفتين. فهي، من جهة، منعت وتمنع اللغة الأمازيغية من النمو والتطور، بله ومن الحياة، لكونها ظلت مقصية من المنظومة الإعلامية والتربوية والإدارية؛ وهي، من جهة ثانية، أصبحت تشكل خزاناً لإغناء الدوارج المغربية والاتجاه بها نحو الانتشار أكثر فأكثر بل ومطاردة الأمازيغية بشكل مثير ومن جميع فضاءاتها ومجالاتها التقليدية. هكذا، إذن، ستأتي دعوة مؤسسة زاكورة للتربية لكي تواصل بشكل أسرع ما ابتدأته السياسة اللسانية والهوياتية للآباء الوطنيين؛ ستأتي، كي تعطي السلاح الأنجع للقضاء نهائياً على هذه الأمازيغية المزعجة بعدما تفضّلَ آباؤهم بتدميرها وخلخلة الأسس الاجتماعية والثقافية التي تقوم عليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: